تقرير البعثة الزراعية عن مشروع الخرج copy

من مصادر تاريخنا

تقرير البعثة الزراعية عن مشروع الخرج

 

اخترنا لكم تقريرًا أعدته البعثة الزراعية العراقية، ونشرته صحيفة أم القرى في أعداد متتالية ابتداء من العدد 772، 15 شعبان 1358هـ/29 سبتمبر 1939م.

وخلص التقرير إلى أن مشروع الخرج سيكون بمثابة تجربة للمشاريع الكبرى في المستقبل، وسيحدث تطورًا كبيرًا في حياة المملكة، وسيسهم في بدء صفحة جديدة في نهضة البلاد وتقدمها.

تقرير فني

حول مشروع ري أراضي الخرج في نجد

تمهيد – مقاطعة الخرج – منطقة الخرج وولاياتها – وادي حنيفة – أراضي الخرج وزراعتها – مجاري مياهها – عيون الخرج الحالية – عيونها الكبيرة – عوامل تكوينها – مستوى مياه هذه العيون – إنشاء مشروع ضخم – أرضاي السهبى – نوع ماء العيون – العوارض المهددة للعمران – الخلاصة.

تمهيد:

تقوم الزراعة في منطقة الخرج التي تبعد نحو 75 كيلو مترًا عن الرياض في نجد على الحنطة، والبرسيم ( للقت)، والمحصول من هذه المنطقة قليل جدًا؛ رغم خصوبة هذه المنطقة الغنية بمياهها وحسن تربيتها، وقد رأت الحكومة لزوم الاستفادة من هذه المنطقة الزراعية الواسعة، فانتدبت لجنة زراعية فنية من أهل الخبرة في العراق، مؤلفة برياسة الأستاذ أحمد سوسه؛ لدرس منطقة الخرج المذكورة، تمهيدًا للاستفادة من هذه المنطقة، وقد قامت اللجنة بدراستها في تلك الجهة خلال الأشهر الماضية، ووضعت تقريرًا تمهيديًا عن دراستها هذه، ننشره فيما يلي ليطلع عليه القراء:

1- مقاطعة الخرج:

        إن مقاطعة الخرج من أشهر إيالات نجد، تقع في الجنوب الشرقي من مقاطعة العارض في وادي حنيفة، يتوسطها ملتقى خطي 34 من العرض الشمالي، و47 من الطول الشرقي، ويبلغ طول المنطقة المسكونة منها من الشمال إلى الجنوب نحو 80 ميلًا، ومن الغرب إلى الشرق نحو 50 ميلًا، وأما بُعدها من الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية؛ فالمسافة بين حدها الشمالي والرياض تبلغ حوالي الـ 75 كيلو مترًا.

أشهر بلدان الخرج الدلم، وهي المدينة الرئيسية للمقاطعة، وأراضيها خصبة وعامرة بنخيلها زراعة الحبوب، تسقى من آبار عمقها يتراوح بين الـ 35 والـ 50 قدمًا، ويبلغ عدد سكانها نحو 6000 نفس يشتغلون بالزراعة.

وهناك بلدان أخرى صغيرة، يختلف عدد سكانها بنسبة كميات المياه، ومساحات الأراضي الصالحة للزرع، وسعة بساتين النخيل فيها، وأهم ما يجدر ذكره من هذه القرى هو السلمية، واليمامة، ونعجان، والمناصف، والضبيعة، والبدع، وفرزان … الخ.

وما هذه البلدان والقرى إلا سلسلة واحات منفصلة عن بعضها البعض، فيها بساتين النخيل والأشجار، ويقوم سكانها بزراعة ما يجاور هذه البساتين من الأراضي الصالحة للزراعة؛ على قدر ما تسمح به كميات مياه الآبار، والقابلية المائية لاستثمارها بواسطة الآلات الزراعية الرافعة والحيوانات.

وفي بعض الأماكن تعلو المياه سطح الأرض، وهناك تتكون السواقي السيحية، فتروي القليل من أراضي المزارع والنخيل الواقعة على بعد بضعة كيلو مترات من الينابيع، ومثال ذلك الساقية التي تروي بساتين ومزارع فرزان.

2- منطقة الخرج ووديانها:

        أن من يطلع على طوبوغرافية منطقة الخرج، يتضح لديه أن المنطقة ما هي إلا منطقة ملتقى الأودية، فتتجمع فيها السيول وتترك في أراضيها الترسبات الغرينية؛ مما يجعل أراضيها المنبسطة الحوضية غنية في الدهلة، التي تزيد في خصوبتها وقابلية استثمارها لغرض الزراعة.

أما الوديان التي قلت أن هذه المنطقة تلاقيها، فمن أهمها الوادي المعروف بوادي سير الذي ينحدر من سفوح جبل (علام)، الواقع على خطي 44 من الطول الشرقي و24 من العرض الشمالي.

يمر هذا الوادي بين نفود (قنيفذه) ونفود (داهي)، فيمتد شرقًا على حد جنوب جبل برك، ويسمى في هذه المنطقة وادي برك أو شعيب البرك، الذي يقع مجراه بين حد جنوب الخرج وحد شمال الأفلاج، ثم ينتهي باتجاه منطقة الخرج طولًا إلى الشمال محاذيًا المناطق الجبلية، تاركًا جبل طويق إلى الغرب، فيسمى في هذا الاتجاه شعيب عجيمي، وهو الشعيب الذي تقع عليه سلسلة واحات الدلم.

وأما شعيب العجيمي فتصب فيه فروع عديدة، وهي الفروع التي تنحدر من المنطقة الجبلية غرب الخرج، ومن أهم هذه الفروع شعيب العين وشعيب النما، اللذان يصبان في شعيب عجيمي شمال الدلم، وبعد ملتقى شعيب العجيمي بشعيب النسا، يستمر الأول بمجراه منتقلًا إلى الجهة الشرقية؛ حيث يمر ببلدة اليمامة، وبمسافة بضعة كيلو مترات شرق اليمامة يلتقي مجراه بمجرى وادي حنيفة، ومن ثم ينتهي مجرى الواديين بوادي السبى الكبير، الذي ينحدر مجراه شرق الخرج باتجاه الخليج العربي، فيصب في الخليج جنوب سواحل القطر.

وقال المستر فيلبي عن وادي السهيبي المذكور: بأنه أحد الأنهر الكبيرة المندرسة في البلاد العربية القديمة، ويبلغ مجموع طوله ما ينيف على الخمسمائة ميل من صدره في سفوح جبل (علام) إلى مصبه في الخليج العربي.

وكان المستر فيلبي قد قطع هذا الوادي، في رحلته إلى الربع الخالي بالقرب من رمال الجافورة في مجراه المنحدر شرقاً نحو الخليج العربي على بعد حوالي الـ 120 ميلًا من مصبه في الخليج، وقد سجل مستوى قمر مجراه في هذا الموقع بحوالي 510 أقدام فوق سطح البحر، كما أنه قدر عرضه مسافة ميل واحدر وارتفاع ضفافه بما ينيف على العشرين قدمًا.

هذا ولما كان مستوى أراضي الأودية المنبسطة بالقرب من مناصف يبلغ حوالي الـ 1273 قدمًا، والمسافة بين مجرى الوادي في مناصف وقاع المجرى الذي سجل مستواه قرب رمال الجافورة هو حوالي الـ 350 كيلو مترًا، فيصبح بذلك فرق الارتفاع للمسافة المذكورة حوالي 763 قدمًا أو 232.50مترًا؛ مما يجعل المكان اعتبار انحداره قمر الوادي حوالي الـ 1 – 1500.

3- وادي حنيفة:

        ولابد من كلمة عن وادي حنيفة الذي سبق ذكره، والذي قلنا عنه أنه يلتقي مع شعيب العجيمي في منطقة الخرج، أنه لواد تاريخي مشهور يبدأ من منحدرات جبل طويق التربية الشمالية فيشق مجراه قلب العارضر ثم يلتقي بشعيب العجيمي شمال شرق اليمامة، فيكوِّن الاثنان مع فروعهما وادي السهبي الكبير السابق الذكر.

وعدا ما لهذا الوادي من ميزات الخصوبة؛ نتيجة حفظه الماء في باطن مجراه؛ حيث يمكن الوصول إليه بحفر آبار قليلة العمق، فإنه يعتبر أثرًا تاريخيًا نظرًا لأهميته من الناحية التاريخية، حيث تقع عليه الدرعية عاصمة نجد القديمة والمبنية.

 

4- أراضي الخرج وزراعتها:

        إن كافة الظواهر تشير بصورة قاطعة، إلى أن مقاطعة الخرج مقاطعة خصبة بمياهها وأراضيها؛ بالنظر لتوفر المياه في أراضيها المنبسطة التي تمدها الوديان بالمياه الأرضية، والرواسب الغرينية في آن واحد، فبين الأودية والمنحدرات توجد مناطق خصبة بمياهها وأراضيها عامرة بالسكان، فتكوِّن سلسلة من الواحات (الروضات)، كما تسمى محليًا منفصلة عن بعضها.

 

ويعلم المحليون بأن هذه المياه العذبة تنحدر من مرتفعات البلاد النجدية، وقد قال المستر هوغارث بهذا الصدد: لا شك أن قسمًا من هذه المياه (أي مياه العارض واليمامة) رشح تحت ما يعترضها من ظهور الجبال، فتجري خلال الطبقات الحصوية وتظهر على الساحل، فتسقي باحات الحسا والقطيف، وتتكون منها الينابيع العذبة في مياه البحرين.

6- عيون الخرج الحالية:

        قلنا: إن منطقة الخرج غنية في عيونها ومياهها، نظرًا لكونها منطقة ملتقى الأدوية، وعليه فإن تحدد آبارها الحالية ليس بقليل؛ رغم ما طُمر من الآبار الكثيرة التي لا تزال آثارها وآثار أنهارها ظاهرة في الوقت الحاضر، وأما عمق الآبار في منطقة الخرج فيتراوح بين الخمسة والثمانية أمتار حسب اختلاف الموقع والتربة.

7- العيون الكبيرة الشبيهة بالبحيرات:

ولحسن الحظ، أن منطقة الخرج فيها من العيون الغزيرة؛ ما جعل طمرها أمرًا متعذرًا، وكلما استطاعت يد الإنسان عمله مع مرور الزمن، هو ردم العمران الذي كان قد ازدهر بوجود مياه هذه العيون فقط.

وإن هذه العيون لهي من العجائب، فهي أشبه ببحيرات صغيرة من أن تكون عيونًا؛ نظرًا لمساحتها المائية وغورها الهائل، ويوجد في منطقة الخرج أربع من هذه البحيرات، ثلاث منها تقع شرق شعيب العجيمي في جنوب اليمامة، والرابعة تقع شرق شعيب العجيمي في جنوب الدلم.

أما الثلاث عيون الأولى، وهي مدار الاعتماد في الوقت الحاضر لإحداث مشروع ري عليها فتسمى محليًا كما يلي:

أ) عين الضلع.

ب) عين سمحة.

جـ) عين أم خيسة.

تقع عين الضلع جنوب اليمامة، وشمال ملتقى شعيب العين بشعيب العجيمي على قدم سفح الناول، التي تمتد بمحاذاة شعيب العجيمي في الجهة الشرقية منه، وقد سُميت بعين الضلع؛ بالنظر لوقوعها على كتف التل.

وتقع عين سمحة شمال عين الضلع بانحراف قليل نحو الغرب، على مسافة 240مترًا من عين الضلع، وقد سُميت هذه العين يمين سمحًا؛ لسبب سهولة سحب المياه منها بواسطة السبح حسب أقوال المحليين، وليس ثمة ما يشجع على نقض هذه الأقوال، ولأن آثار الأنهر القديمة تدل على أن صدور بهو السبح الكبيرة،كانت على هذه العين كما سيأتي البحث عن ذلك فيما بعد.

وأما عين أم خيسة، فتقع في جنوب غرب عين الضلع بمسافة 1220مترًا من عين الضلعر 1560مترًا من عين سمحة؛ وقد سُميت بهذه التسمية لسبب تمييزها عن أخواتها فيما مضى بوجود ومخلة على ضفافها، والخيسة في نجد اصطلاح محلي لصغير النخل.

وعليه فإن موقع هذه العيون الثلاث تشكل شبه مثلث، قاعدته عينا أم ضلع وسمجة بمسافة 240مترًا كما جاء أعلاه، وضلعا المثلث يكونان الزاوية التي تقع عليها عين أم خيسة، وطول الضلعين المثلث المذكور وهي 1320 و1560مترًا.

وأما المساحة المائية لهذه العيون الثلاث فهي متساوية تقريبًا، وتقدر مساحة الماء في كل منها بحوالي الـ 4000 متر مربع، وذلك باعتبار معدل 80 مترًا طولًا، و50مترًا عرضًا تقريبًا، وعليه فهي بيضاوية الشكل. وأغرب ما بهذه العيون أغوارها، فأعماق الماء فيها متساوية تقريبًا وتبلغ حوالي الـ 360 قدمًا، وأن هذا العمق متساوٍ تقريبًا؛ سواء كان على أقرب من الضفاف أو في وسط العين.

 

8- عوامل تكوين هذه العيون:

        ومما لا شك فيه أن هذه العيون هي قديمة العهد، تكونت بنتيجة عوامل جيولوجية التي تحدث تغييرات أرضية هامة، هي أولًا خواص التربة التي تعمل فيها العوامل الجيولوجية، فمثلًا وقوع هذه العيون وسط طبقات كاسية ملحية، يشجع على إحداث تفاعل كيميائي ينتج انحلالًا وذوبانًا في التربة؛ مما قد يسبب حصول انشقاق أو انخساف أرضي، وبالأصح انزلاقًا في كتل الطبقات الأرضية أو زلات صخرية كما تسمى جيولوجيًا.

وهناك عوامل جيولوجية أخرى تؤثر في الأراضي التي من هذا النوع، كالزلازل، أو الهزات الأرضية، أو مفعولات البراكين.

هذا وتوجد الآن آثار براكين، ومواضع كثيرة تدل على بقايا الاندفاعات والسوائل النارية في الأزمنة القديمة، وأن هذه المقذوفات البركانية تركت الحجارة السوداء المؤلفة من السائل البركاني المتجمد، والتي نشاهدها في كثير من المواقع في المملكة العربية السعودية.

والدارج محليًا بأن هذه العيون حدثت بنتيجة مهري النجوم.

وفضلا عن ذلك، أن مناخ نجد، الذي نجد فيه الاختلافات العظيمة بين درجتي الحرارة العظمى والدنيا، قد يساعد على إحداث انفلاق في الصخور، وقد روى السواح والمنقبون عن كثير من مثل هذه الحوادث العجيبة، سواء كان في البلاد الباردة أو الحارة؛ وذلك بسبب حدوث الامتداد والنقاص في طبقات الصخور. لأن تأثير شدة الحر على الصخور يحدث امتدادًا وتوسعًا فيها، ثم البرد يسبب تقلعها وتضييقها. وعليه كثيرًا ما ينتج الاختلاف في درجة الحرارة، انفلاقات وانشقاقات داخلية تترك الهوات والفجوات، هذا وقد شاهدنا في خلال مدة مكوثنا في الخرج، بأن الفرق بين درجة الحرارة العظمى والدنيا هناك في شهر حزيران 1939م ما يقارب الـ 30 درجة سنتغراد خلال الأربع والعشرين ساعة، وهذه الظواهر والعوامل المهمة التي تحدث هذه الانشقاقات الهائلة في جوف الأراضي، هي في الحقيقة مشتبكة مع بعضها، ويتعذر فصلها أو اعتبار تأثير إلى أحد هذه العوامل الجيولوجية وحده، وإنما قد يصح القول بأنها قد قامت بمفعولها بصورة مشتركة، خلال العصور الماضية لأحداث هذه المزالق الأرضية والانشقاقات الداخلية الهائلة التي أوجدت هذه العيون الطبيعية التاريخية.

وخير مثال لتأثير هذه العوامل الجيولوجية في طبقات الصخور الكلسية، هو ما تجده من الانفلاقات الأرضية الداخلية في مواقع كثيرة من نجد؛ حيث نشاهد انخسافات في طبقات الأرض لأعمال كثيرة، ثم يمتد التجويف من قمر الفوهة لمسافة بضعة أمتار تحت طبقات الأرض، فيكوِّن شبه نفق تتجمع في منتهاه مياه الأمطار أو الينابيع، فيتزحف المرء على طول هذا النفق للوصول إلى منبع الماء في منتهاه وإملاء أجواء الماء منه لمثل هذا التجويف في وسط الصحراء؛ إذ يقع هذا الكون على مسافة 200 كيلو مترًا من السكويت، ويسمى الدخل، ومعناه في العربية النقب الضيق في أعلاه والواسع في الأسفل.

9- ملحوظة حول مستوى مياه هذه العيون وتأثيره في إنشاء مشاريع الري:

ولما كان المغلوب كأول عمل فني يقام في منطقة الخرج استثمار مياه هذه العيون الثلاث، وإنشاء مشروع ري منتظم، سواء كان سيحًا أو بواسطة الضخ؛ يستوجب قبل كل شيء معرفة كميات مياه العيون المذكورة، ومدى قابلية …. في مختلف المواسم إذا ما سحب منها الماء بكميات وفيرة، فقد أجري التحري قبل كل شيء عن مستوى مياه العيون المذكورة بالنسبة لبعضها؛ للتأكد من درجة ارتباطها مع بعضها؛ فيما يخص مجرى الماء الأرضي.

ولتحقيق هذا الغرض؛ أنشئ مراقم تسوية ثابت بالقرب من ضفة عين الضلع، ليكون هذا الرقم أساسًا لأعمال التسوية بصورة عامة، والمرجع لكافة أعمال المساحة في المستقبل.

وقد دلت نتائج التسوية لمستوى مياه العيون الثلاث بالنسبة لقيمة الرقم المنوه به أعلاه مما يلي:

سنتيمتر                 متر

170                  91    مستوى ماء عين أم خيسة مأخوذ بتاريخ 4 حريزان 1939.

52                    91    مستوى ماء عين الضلع مأخوذ بتاريخ 4حريزان 1939.

973                  90    مستوى ماء عين سمحة مأخوذ بتاريخ 4حريزان 1939.

ويستدل من ذلك أن عين أم خيسة الواقعة في جنوب غربي عين الضلع، يرتفع مستوى مائها عن عين الضلع بـ 118/00مترًا، ومستوى ماء عين الضلع يعلو عن سطح الماء في عين سمحة الواقعة شمال عين الضلع بـ 079/00 مترًا، وعليه فمجموع الفرق بين مستوى ماء عين أم خيسة وعين سمحة هو 197/00 متر؛ وذلك مما يدل على أن مجرى الماء الأرضي الداخلي هو باتجاه الشمال؛ أي اتجاه مجرى شيب العجيمي الواقع غرب العيون الثلاث كما سبق ذكره.

أما حول ثبات أو تغيير مياه هذه العيون الثلاث، فالمعلومات المحلية متناقضة وعليه فلا يعول عليها. أن أكثرية المحليين يرون أن مستواها الحالي حسب المناسيب – المبيَّنة أعلاه لم يتغير قطعيًا؛ غير أن الدلائل على ظهر الصخور التي تحد أطراف الماء ترينا خلاف ذلك؛ إذ توجد آثار تغير بسيط في مستوى الماء، وعليه أتى الميل إلى الاعتقاد بأن سحب المياه بكميات وافرة من هذه العيون لمشاريع ري كبيرة؛ سوف يحدث هبوط في مستوى الماء، وربما تأثيرًا على مناسيب ماء العيون الثلاث بأجمعها؛ إذا ما سحب الماء من أحداهما؛ لأن ثمة دلائل على اتصال مياه العيون الثلاث بواسطة مجاري المياه الأرضية، على أن درجة هذا الهبوط ليس في الإمكان تقديره بصورة مضبوطة إلا بعد سحب المياه بكميات وافرة، وإنشاء مقاييس على العيون الثلاث، لتسجيل حركة مياه العيون الثلاث بالنسبة لكميات المياه المسحوبة وفي مختلف المواسم السنة..

والدليل الواضح لتوقع انخفاض عام في مستوى الماء بعد سحب المياه بكميات وافرة من إحدى العيون، هو ما نشاهده من الآثار في طريقة إنشاء مشاريع الري القديمة؛ إذ كان الأقدمون قد حصروا مشاريعهم الكبيرة على العين الشمالية وهي عين سمحة، فصدور الأنهر القديمة السيحية وغير السيحية تبتدئ من عين سمحة، وكانوا على ما يظهر …… الموجودين عين أم خيسة، وعين الضلع، وبين عين الضلع وعين سمحة قد جعلوا مجرى متصلًا بين العيون الثلاث، وقد حصروا السحب من العين الشمالية الأخيرة فقط، مكونين منها شبه خزن لجميع مياه العيون الثلاث.

 

ولا يخفى بأن قيام الأقدمين بهذه العملية يُعد عملًا بالنظرية الفنية الجيولوجية القائلة بأفضلية توجه المياه للعيون المجاورة؛ ليتسنى حصر المشاريع على مجموع مياه، وأن هذه النظرية مبنية على أساس الاختلاف الذي قد يحصل في قابلية تدفق المياه في العيون المجاورة في المواسم المختلفة، وذلك الاختلاف قد ينشأ نتيجة لاختلاف في المواقع ….. على مجرى المتناول أو الاختلاف في أنواع الأحجار، والصخور، وانحدار طبقات درجة قابلية تدفع لمياه من مجموع العيون بأعلى تصريف ممكن.

على كل، ليس من شك في أن توقع حصول بعض الهبوط في مستوى مياه العيون الموضوعة البحث بعد سحب المياه منها بكميات وافرة، أمر لا يقلل من قيمة هذه العيون فيما يتعلق باستثمارها والانتفاع بها في مشاريع ري مفيدة؛ لأن هبوط المتوقع لابد أن يتوقف بعد إيقاف السحب، ولا يبعد أن تستعيد العين مستوى مائها الأصلي بعد مرور بعض الوقت على إيقاف السحب، …… المختلفة لكل من العيون ليتسنى وضع تصميم مشاريع على ضوء نتائج هذه الدراسة فيما يتعلق بتقدير كميات المياه الممكن سحبها لمشاريع السيح في حالها الحاضرة، وفي حالة توحيد مياهها والمناسيب لسطح ماء العيون التي يعتمد عليها في وضع تصميم مشاريع السيح اهتمامًا كليًا.

10- اقتراح إنشاء مشروع ضخ تمهيدي على هذه العيون.

        لذلك يقترح أن يكون أول من يقدم به في الوقت الحاضر هو نصب مضخات على مياه هذه العيون الثلاث، والأرجح أن تنصب على عين سمحة؛ وذلك لإرواء الأراضي المجاورة الواقعة شمال غرب العين المذكورة قرب شعيب العجيمي؛ حيث يسهل تسليط المياه عليها بشق ساقية، يرتفع قمر صدرها عن سطح الماء ي العين بحوالي السبعة أمتار.

والمقترح أن يكون مجموع قوة المضخات حوالي 100 حصان في الوقت الحاضر، والمرجح أن تستعمل مضختين قوة الواحدة 50 حصان، وذلك لتسهيل نقلها إلى الموقع ونصبها فيه.

 

… أما نوع التربة… تدل على أنها صالحة للزراعة، كما ثبت علميًا صلاحية هذه الأراضي للزراعة بتجربة….، ومع ذلك فقد أخذت نماذج تربة من هذه الأراضي والأراضي الأخرى المتوقع استثمارها في المستقبل، وهي الآن لدى الفحص… في دائرة …. الصناعية في بغداد، …والمأمول الحصول على نتائج التحليل بعد مضي بضعة أسابيع… وعليه فإن هذا المشروع التمهيدي سيكون بمثابة تجربة للمشاريع الكبرى في المستقبل، وذلك من ناحية تقدير كميات المياه، … واختبار وضع المياه والتربة، وما إلى ذلك من الأوضاع التي يجب أن تُدرس علميًا ….

وأما الآلات الهندسية المطلوبة لأعمال هيئة الري الفنية، فهي موجودة في الخرج، وكانت قد اُستعيرت من قبل الهيئة الفنية العراقية الأولى، الموفدة إلى المملكة العربية السعودية من دائرة المساحة العراقية، وأرى أن تُضاف إلى هذه الآلات آلة….. لذرع المساحات..

 

11- مشروع ري أراضي السهبي بطريقة السيح.   

        هذا مع العلم، بأن الأوضاع التي شاهدناها خلال المدة القصيرة التي قضيناها في الخرج، تشير إلى ما يشجع على احتمال إنشاء مشروع كبير لإرواء أراضي السهبي بطريقة السبح؛ نظرًا لهبوط مستواها بالنسبة لمستوى مياه العيون الثلاثة موضوع البحث؛ لاسيما وأن هذه الأراضي تقع على بعد حوالي الـ 25 كيلو متر عن العيون المذكورة، على بعد بضعة كيلو مترات تحت النقاه شعيب العجيمي بوادي حنيفة، وتوجد آثار سيحية قديمة تمتد من هذه العيون إلى أراضي السهبي، والدلائل تؤيد احتمال إعادة إحيائها؛ وعدا ذلك فإن أراضي السهبي وهي بغاية الخصوبة بالنظر لتغذيتها بالرواسيب الغرينية من وادي السهبة ….. فليس بالإمكان رفع أي اقتراح قطعي بهذا الشأن؛ ريثما يقام بالتحريات الفنية اللازمة ودرس وضعية مناسيب مياه العيون الثلاث، والحصول على المعلومات التقنية اللازمة كما مر ذكره أعلاه.

12- نوع ماء عيون الضلع، وسمحة، وأم خيسه.  

        وهنا تستوقفنا نقطة مهمة؛ ألا وهي درجة صلاحية مياه هذه العيون لغرض الزراعة، وأن الأمر الذي لا شك فيه، أن مياه العيون تحمل معها رواسب كربونات الكلس؛ بالنظر لوقوعها في منطقة صخرية كلسية، على أنه قد ثبت إمكان استثمارها في المشاريع الزراعية بناءً على ما نشاهده من آثار صخرية كلسية؛ بناءً على ما نشاهده من آثار العمران الزراعي عليها في الماضي، وخير دليل على صلاحيتها للزراعة؛ ما قامت به الحكومة السعودية في الموسم الماضي من تجربة على مقياس صغير، فنجحت فيها نجاحًا باهرًا؛ إذ أنشئ في الموسم الشتوي مضختان صغيرتان، مجموع قوتهما تقارب الثلاثين حصانًا على عين الضلع، وقد أنتجت محصولًا من القمح لا يقل بكثير عن المحصول الذي تنتجه أراضي العراق في مثل الأحوال المحيطة بهذا المشروع، هذا كما أنه قد أنشئ في نفس الوقت جدول سيحي من عين سمحه بحوالي الـ6 إلى 8 كيلو مترات، ستنبت عليه مساحة صغيرة من القمح، وجاء منتوجها مرضيًا أيضًا؛ ومع ذلك فقد أُخذت نماذج مياه هذه العيون، وأرسلت للتحليل في دائرة المباحث الصناعية العراقية؛ وأما خواص هذه المياه بالنسبة لصلاحيتها للشرب، فلا شك أنها ضاربة إلى الملوحة بالنسبة للأجزاء الكلسية فيها؛ غير أن المنطقة لا تخلو من الآبار ذات المياه المعدنية؛ نظرًا لوقوعها على تربة طبقية طيبة، والمعروف محليًا بأن عين الثليمة لابن عيدان ناصر، وهي من أحسن عيون المياه العذبة قرب منطقة عيون الخرج الثلاث المبحوث عنها.

13- العوارض المهددة للعمران.

        إن العمران الذي يزدهر على مياه الينابيع فيه شيء من المجازفة؛ بخلاف ما يكون العمران على الأنهر والشطوط، التي تتمتع باستقرار مجراها، فهناك أدلة كثيرة تؤيد نضوب مياه بعض الينابيع بعد مرور زمن على استغلالها؛ لسبب تحول مجاري المياه تحتها، وحتى في الجزيرة نفسها أدلة غير قليلة على مثال هذه التحول، على أن ذلك غير محتمل حدوثه في العيون موضوع البحث؛ بالنظر لوقوعها في منطقة الأودية وغورها لتغير اعتيادي.

ويجب ألا يغيب عن أذهاننا، بأن العمران الذي يقام في مثل هذا المحيط الصحراوي، كثيرًا ما يصبح مهددًا بخطر الرمال المتحركة والسيول الجارفة. لأن معظم العوارض التي تعدد العمران في مثل هذا المحيط كثبانًا الرمال، التي تتحول من محل إلى محل، وتتنقل من مكان إلى مكان عند هبوب الرياح والعواصف، فتطفي المزارع وتدمر كل شيء تمر عليه؛ غير أن من الممكن إزالة بعض هذا الخطر؛ إذا ما كثرت المزارع، وتعممت الغابات، وازداد عدد النخيل، وسالت المياه على وجوه الأرض بكميات وفيرة بواسطة المضخات؛ لذا فإني أرى أن يشجع تعميم نصب المضخات على الآبار في المناطق التي تكثر فيها مياه الآبار؛ لا سيما وقد أصبح من السهل الحصول على الزيت في القطر النجدي؛ نظرًا لظهوره في نفس البلاد…

… الأخذ بالطرق الحديثة السريعة المنتجة، بعد أن يشاهدوا فوائدها الملموسة، فتزداد تدريجيًا ثروة البلاد، كما يمكنها في الوقت نفسه أن تستقل في حصولها على موادها الغذائية الأساسية، والأمل أن يكون مشروع ري أراضي الخرج أنموذجًا للمشاريع الفنية الحديثة، مشجعًا لإقدام الزارع على الاقتداء به كل حسب قابليته، وأني أرى بهذا الصدد أن تقوم المؤسسة الفنية المقترحة أعلاه، بالإرشاد الفني من ناحية شق الأنهر وري الأراضي وزراعتها بطريقة فنية حديثة، والتشجيع على استعمال الآلات الميكانيكية الحديثة بصورة عامة.

في الوقت نفسه قد يقل خطر السيول؛ فيما إذا تمكن الزراع من شق أنهر طويلة تبعد عن مجاري السيول، وذلك بواسطة قوة الضخ، ونتيجة الإرشادات الفنية فيما يتعلق بتدقيق مستويات المزارع، ومستويات السوق بالنسبة لمناسيب مجاري السيول.

14- الخلاصة

        وعلى كل، فيجب ألا تكون هذه الأخطار الواردة الذكر مثبطة للعزائم؛ إذ لا يخلو أي بلد من أمثال هذه الأخطار، ففي أعظم المدن في بلاد العالم تشاهد فيها بين الحين والآخر حدوث فيضانات هائلة، أو عوامل أخرى تطغى على المدن والمزارع وتدمرها، فتستلم القوة المدنية للقدر؛ بدون أن تستطيع يد الإنسان ومخترعاته أن توقف مفعولها وأضرارها الجسيمة في المال والأرواح.

هذا وقد حان لبلاد نجد أن تأخذ الزراعة على مقياس واسع، بعد أن أصبح الأمن والاستقرار سائدين في طول البلاد وعرضها؛ ولا غرر أن الاستقرار في مثل هذه الظروف سوف يحدث انقلابًا عظيمًا في حياة المملكة العربية السعودية الشقيقة، فيفتح هذا الانتقال المنظم السريع من حياة البداوة القائمة والانتقال إلى حياة الاستقرار والزراعة، صفحة جديدة في نهضة البلاد بصورة عامة، وتقدمها المادي بصورة خاصة.

29/7/1939م”.