___ش___د__.jpg

نافذة على الوطن – نجران

نجران

موقعها وأهميتها:

تقع منطقة نجران في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية، وتأتي في المرتبة السادسة بالنسبة إلى مناطق المملكة من حيث المساحة. ويشكل وادي نجران شريان الحياة الرئيس في المنطقة، وينحدر من الجبال الواقعة غربًا، ويمتد باتجاه الشرق حتى يصب في الربع الخالي، وعلى ضفتيه تنتشر الأحياء والقرى، والمزارع والبساتين. ومدينة نجران هي حاضرة المنطقة، وتتبعها عدة محافظات، منها: شرورة، والخرخير، ويدمة، وحبونا، وبدر الجنوب.

وتتميز نجران بموقعها الاستراتيجي المهم، فكانت منذ القدم ممرًا بشريًا وتجاريًا يربط بين جنوب شبه الجزيرة العربية، ووسطها، وشمالها؛ كما أكسبها موقعها بين الجبال المنيعة وصحراء الربع الخالي حصانة طبيعية. أما من الناحية الاقتصادية، فهي منطقة ذات تربة خصبة، ومياه وفيرة، نشطت فيها الزراعة وتعددت محصولاتها الزراعية.

حظيت نجران باهتمام المؤرخين والجغرافيين قديمًا وحديثًا، ويعد إسترابون أول من كتب عنها، فقد كان ضمن الحملة التي أرسلها الإمبراطور الروماني سنة 24 ق م إلى جنوب شبه الجزيرة العربية؛ التي هدفت إلى السيطرة على الطرق التجارية وكسر احتكار الممالك العربية للتجارة، ووصلت الحملة إلى نجران، التي أطلق عليها إسترابون اسم نجرانا Negran، كما أطلق عليها بطليموس اسم نكرا ميتربوليس Negara Metropolis أي مدينة نكرا.

كما كتب عنها الجغرافيون المسلمون، ومنهم: الهمداني (ت336هـ/947م)، الذي أشار إلى أن موضع هجر نجران هو الأخدود. والبكري (ت 487هـ/1094م) الذي عدَّها من مدن الحجاز. وياقوت الحموي (ت 622هـ/1225م)، وذكر أن نجران نسبت إلى من نزلها وعمرها، وهو شخص يدعى نجران بن زيدان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد قدم هذا الشخص إلى نجران، لأنه رأى رؤيا هالته، فخرج رائدًا حتى انتهى إلى وادٍ فنزل به وسُمي نجران به. كما ذكرها ابن المجاور(ت690هـ/1291م).

وفي العصر الحديث نالت اهتمام عدد من الرحالة الغربيين، ومنهم: الفرنسي جوزيف هاليفي Joseph Halevy، (1243-1335هـ/1827-1917م)، الذي يُعد أول رحالة غربي يزور موقع الأخدود الأثري بنجران عام 1287هـ/ 1870م،  كما زارها هاري سنت جون فيلبي Harry St. John Philby مرتين، الأولى في عام 1355هـ/1936م، والثانية 1370هـ/1950م، وقال عنها: «…ويومًا بعد يوم كنت أتطلع عبر النهر إلى تاج المجد التليد، إلى المباني الأثرية المتهدمة لنجران. وفي قلبي تقف نجران، عظيمة في حجمها وأهميتها».

تاريخها:

أظهرت المسوح الأثرية التي أجريت في منطقة نجران، أن الاستقرار البشري فيها موغل في القدم، ويرتبط بالحضارة العربية؛ ودلت على ذلك الأدوات الحجرية التي اكتشفت، ومنها رؤوس السهام والحراب، ويظهر من نوعية البقايا الأثرية في هذه المواقع؛ أنها تخص جماعات اعتمد نشاطها على الصيد.

تشير المعلومات إلى أن ظهور نجران كمدينة ذات أهمية؛ يرجع إلى الألف الأول قبل الميلاد، حيث ورد اسمها في نقوش جنوب الجزيرة العربية باسم “ن ج ر ن”، وخلال الفترة من 500 ق م إلى 250م، كانت من أبرز المدن التجارية القديمة على الطريق التجاري القديم، الذي كان يربط اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية بشمالها إلى الحجر وتيماء، ومنها إلى بلاد الشام ومصر، وهو الطريق الذي ازدهرت بفضله الكثير من المدن في الجزيرة العربية. وقد اعتمدت في اقتصادها على الزراعة والتجارة، وكان لها سوق معروفة بين أسواق العرب التي كانت سائدة قبل الإسلام.

وتذكر المصادر أن قبيلة مذحج استوطنت نجران منذ القدم، ومنهم بنو الحارث الذين كانت لهم الريادة في نجران، وذاع صيتهم. ثم استقرت في المنطقة قبائل أخرى منها: الأزد، ووادعة، وذهل، وعمران، وكذلك استقرت فيها يام، أحد فروع همدان الشهيرة، وأصبحت نجران موطنهم.

ارتبط ذكر نجران بحادثة الأخدود التي وردت في القرآن الكريم في دلالة على أهميتها، وهي المذبحة التي تعرض لها نصارى نجران، واعتبرت من أهم أحداث تاريخ المنطقة، وتتلخص في أن نجران قد دخلت بحكم موقعها في خضم الصراع الدائر بين ممالك جنوب شبه الجزيرة العربية، وأصبحت تحت حكم دولة حمير، منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وكان آخر ملوكها الملقب بذي نواس، الذي قرر إجبار أهل نجران على ترك النصرانية واعتناق اليهودية التي يدين بها، ولمّا لم يستجيبوا له؛ حشد جيشا كبيرًا سار به إلى نجران، وحاصرها خلال 524-525م، وخيَّر أهلها بين اعتناق اليهودية أو القتل، فلم يقبلوا التنازل عن دينهم، فحفر لهم الأخدود ومثَّل بهم وحرَّقهم، وقد أثبت القرآن هذه الحادثة في سورة البروج، فقال الله تعالى: “قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)”، وتناولتها كتب السير والتفسير بالكثير من الشرح. ونتج عنها قيام النجاشي ملك الحبشة بإرسال جيش كبير إلى جنوب شبه الجزيرة العربية بدعم من الدولة البيزنطية، وتمكن من القضاء على دولة حمير وفرضت الحبشة سيطرتها على المنطقة.  

وقبيل الإسلام، كان لنجران سوق معروفة بين أسواق العرب. واشتهر أهلها بالفروسية، والحفاظ على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا رخاءً وازدهارًا عبر عنه الشعراء، ومنهم الأعشى، الذي صوّر جانبًا من ذلك بقوله مادحًا حكامها من عبدالمدان:

وشاهدنا الفل والياسمين والمسمعات بقصّابها

ومن أعلامها الذين اشتهروا، قس بن ساعدة الإيادي الملقب بحكيم نجران، وأسقف نجران، وكان شاعرًا وحكيمًا، وخطيبًا، ويُعد في طليعة الحكماء وأهل البلاغة الذين يؤخذ برأيهم. وكان يدين بالتوحيد ويدعو إلى نبذ الأوثان.

اعتنق أهل نجران الإسلام في العام 10هـ/631م، وبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة خالد بن الوليد (ت21هـ/642م) لدعوتهم إلى الإسلام، فأسلم أكثرهم وبقي بعضهم على النصرانية، ثم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة فأكرمهم؛ أما من بقي منهم على النصرانية، فقد بعث إليهم بكتاب يدعوهم فيه إلى الإسلام، فاتفقوا على أن يرسلوا وفد من أعيانهم إلى المدينة، ودارت بينهم وبينه مناقشات حول عيسى عليه السلام، ثم صالحهم، وكتب لهم كتابًا بالصلح، وأقر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم البقاء على دينهم مقابل دفع الجزية.

وفي ظل الإسلام عاش أهالي نجران تابعين للخلافة الإسلامية؛ إلا أن المعلومات تشير إلى استقلالهم بإدارة شؤونهم خلال الفترة الثانية من الخلافة العباسية، فقد ورد في بعض الروايات أن حكم نجران في أواخر العصر العباسي، كان بيد بني عبد المدان ممثلاً في أسرة آل أبي الجود. وقد استمرت الزعامة فيهم بعد سقوط الخلافة العباسية، فيذكر ابن المجاور الذي زار نجران في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي: أن بني عبد المدان ما زالوا يحكمون نجران. كما تشير بعض المراجع إلى أن نجران لم تخضع لدولة الأيوبيين، ولا دولة المماليك، ولا دولة بني رسول، ولا لسلطان الدولة الطاهرية في اليمن.

طريق الحج:

ومن أبرز المظاهر الحضارية التي ترتبط بتاريخ نجران في العصر الإسلامي وقوعها على طريق الحج، الذي يربط حضرموت بمكة المكرمة مرورًا بنجران، الذي كان مستخدمًا لتجارة البخور في فترات ما قبل الإسلام، والذي يبدأ من مدينة شبوة في اليمن، ثم يتجه نحو مأرب، مرورًا بعدة مدن منها بيحان وحريب؛ ثم ينطلق مسار الدرب حتى يصل إلى مدينة نجران. ومنها ينطلق نحو الشمال الغربي حتى يصل إلى وادي كرا؛ حيث يندمج مسار هذا الدرب مع مسار طريق الحج اليمني الذي يصل صنعاء بمكة المكرمة.

وإلى جانب هذا الطريق، يذكر بعض الباحثين وجود طريق آخر لحجاج حضرموت عبر نجران، ويطلق عليه اسم «درب الأمير». ينطلق من مدينة شبوة، حتى يصل إلى وادي الجوف على حافة الربع الخالي، ثم يصل إلى نجران.

الأسواق:

حافظت نجران على مكانتها التجارية خلال العصر الإسلامي، واشتهرت بالأسواق الأسبوعية، فكان لكل قبيلة أو عشيرة في نجران سوق يقام على أرضها، ويسمى باليوم الذي يقام فيه، فمثلاً يقال: سوق الجمعة، وسوق السبت، وسوق الثلاثاء، وهكذا، ولم تكن وظيفة الأسواق تقتصر على مزاولة البيع والشراء؛ وإنما كان الناس يتبادلون فيها الآراء، ويتناقلون الأخبار.

وقد عُرفت نجران بالأسواق المتخصصة، حيث كان السوق الواحد يقسم إلى عدة أسواق، كل منها قائم بذاته على بيع وشراء سلع معينة؛ فكان هناك سوق للحبوب، وآخر للماشية، وثالث للأقمشة، كما كان هناك حرفيون متخصصون في مزاولة مهنتهم في السوق، مثل: الجزارين، والحمالين، والحطابين، والحدادين، وغيرهم، لبيع سلع متنوعة في الأشكال والأهداف.

وإلى جانب ذلك عرفت بلاد نجران – وما جاورها من بلاد السروات واليمامة والحجاز – الأسواق الدائمة، حيث شهدت بعض تلك الأسواق حوانيت ومحال صغيرة في أطرافها، وخصوصًا في الأسواق الكبيرة منها. وكانت هذه الأسواق على غرار الأسواق الإسلامية المبكرة والوسيطة بالمدن والحواضر الكبرى، تتألف من شارع طويل تكتنفه الحوانيت والمحال من الجانبين، ويتقدم كل حانوت مصطبة مرتفعة يجلس عليها البائع أو صاحب الحانوت مع عملائه لعقد الصفقات، والبيع والشراء، وأحيانًا كانت بعض الحوانيت الكبرى تنقسم إلى قسمين أحدهما داخل الآخر. ويُتخذ القسم الداخلي مخزنًا للبضائع، في حين يعد الجزء الخارجي معرضًا لها.

ويلاحظ أن الطرق التجارية التي تربط نجران بغيرها من المراكز الحضارية الكبرى داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها؛ تمر بعدد من المحطات والأسواق التجارية، التي كانت مقصدًا للتجار السالكين لتلك الطرق؛ حيث اعتادوا النزول في بعضها، وعقد الصفقات التجارية.

وأشار بعض الجغرافيين والمؤرخين المسلمين في كتبهم، إلى نشاط الأسواق في نجران في العصور الإسلامية الأولى، فابن المجاور يشيد بأسواق نجران وما حولها، ويقول: «وعليها المعول في البيع والشراء». فكان التبادل التجاري يتم في أسواقها بين القادمين إليها من العراق، وفارس، وبلاد الروم؛ بل كان التجار يجلبون إليها سلعهم ويبيعونها بالمقايضة بسلع إفريقية، وهندية، ويمنية، تصل أسواق نجران.

أما في العصر الحديث، فقد أدت قبائل نجران خلال القرنين 10-11هـ/16-17م دورًا مهما في حماية استقلال مناطقهم، ومنع امتداد النفوذ العثماني أو نفوذ أئمة اليمن إليها، وخلال القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي اضطرت بعض فروع القبائل النجرانية إلى الهجرة من أراضيها؛ تحت ضغط العوامل الطبيعية من شح الأمطار والجدب؛ فنزح العجمان إلى المنطقة الشرقية بحثًا عن أراضي أكثر خصوبة. فيما حافظ من بقي فيها على استقلالها، حتى انضوت تحت لواء الملك عبد العزيز عام 1351هـ/1932م.

الرسوم الصخرية في منطقة نجران:

كثافة النقوش السبئية والثمودية والرسوم الصخرية في المنطقة تشير بوضوح إلى أهمية المنطقة.

من النتائج العلمية المباشرة لبعثة كل من فيلبي Philby، وريكمانز Ryckmans، وفيليب لبينز عند زيارتهم الاستكشافية لجنوب غرب المملكة العربية السعودية، نهاية عام 1370هـ/1951م وبداية عام 1371هــ/1952م: حصر وتسجيل الآثار والكتابات القديمة والإسلامية المنتشرة في مواقع متفرقة من منطقة نجران، ويبدو أن أعضاء البعثة قد تمكنوا خلال ترحالهم في المنطقة من زيارة أغلب المواقع المهمة؛ وبالنسبة إلى النصوص العربية الإسلامية فقد نشرت في عام 1382هـ/1962م.

وتنتشر النقوش والكتابات الصخرية العربية الإسلامية المبكرة، في عدد من المواقع الأثرية الواقعة ضمن الحدود الإدارية لمنطقة نجران؛ وقد اشتملت هذه النصوص عمومًا على الآيات القرآنية الكريمة والأدعية الدينية المستلهمة من السنة النبوية الشريفة؛ وتتمحور موضوعاتها في طلب المغفرة والرحمة من الله سبحانه وتعالى والتوكل عليه، وقد اُستخدام الخط العربي الكوفي (الحجازي) البسيط في كتابة هذه النصوص.

وتمثل الرسوم الصخرية التي تزخر بها منطقة نجران، دلالات حضارية مهمة جدًا في فهم المجتمعات البشرية التي عاشت في المنطقة؛ وخصوصًا أنها قد تعكس جوانب اجتماعية وعقدية ومعيشية.

وفي سنة 1370هـ/1951م، توجه كل من فيلبي، وريكمانز، وليبنز، إلى منطقة نجران، في حملة استكشافية. وفي صيف سنة 1388هـ/1968م قام العام الآثاري فإن بيك بعملية مسح محدودة للمنطقة؛ وإن كان قد نجح في تحديد بعض المواقع الإضافية التي لم تذكر من قبل، ثم بدأت بعد ذلك فرق المسح الآثاري التابعة لوكالة الآثار والمتاحف بعمليات مسح للمنطقة؛ حيث بدأت أول حملة سنة 1400هـ/1980م، ثم توالت بعد ذلك فرق المسح، التي جابت عددًا من أجزاء المنطقة، وقد تركزت أعمال المسح على المواقع الأثرية في نجران؛ وبخاصة موقع الأخدود، وموقع شعيب دحضة، وموقع آبار حمى، كما تمكنت فرق المسح من جمع عدد من النقوش وتحديد بعض مواطن الاستيطان التي شهدتها المنطقة قديمًا.

الفنون في منطقة نجران:  

أولًا: فن العمارة:

تتنوع فنون العمارة وطرزها في معظم الحضارات وفقًا للعوامل المناخية، وأسلوب الحياة، والمعتقدات الدينية، والحالة الأمنية والاجتماعية، ومواد البناء المتوافرة؛ ولعل مواد البناء من أبرز العوامل المؤثرة في طرز العمارة، وأشكالها، وأحجامها، ومن ثم فنونها. ويبدو أن نجران استفادت من حضارتها التي استمرت فترة طويلة؛ مما أدى إلى وجود طرز معمارية متعددة، كان الحجر، والطين، والأخشاب أهم مقوماتها خلال الفترة التي سبقت الإسلام، ولم تقتصر وظيفة العمارة على مجرد السكن؛ وإنما شملت النواحي الدينية ومنها المعابد، والمساجد، والري، وما يشتمل عليه من إنشاء السدود وشق القنوات، والنواحي الأمنية ومنها القلاع، والحصون، إلى جانب المساكن. ويبدو أن الهاجس الأمني كان له دور مهم في التأثير على الطرز المعمارية في جنوب الجزيرة العربية بشكل عام ونجران بشكل خاص؛ ولعل هذا كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى إنشاء القلعة، التي تميزت بأسلوب بنائها الفريد، باستخدام الكتل الحجرية الكبيرة الحجم والمنحوتة بعناية، والتي تم تزيين واجهاتها بالزخارف والنقوش بالقلم المسند الجنوبي، واستخدام اللياسة الجصية في العديد من مبانيها.

ويعد سور القلعة نموذجًا فريدًا للنظم الدفاعية في مدن جنوب الجزيرة العربية؛ حيث يضم تجاويف ونتوءات غير منتظمة، ويشكل في بعض الأحيان جزءًا من جدران بعض المباني الداخلية؛ على أن أسلوب البناء في نجران على هذا النحو لم يكن مقتصرًا على مباني القلعة خلال هذه الفترة؛ وإنما يوجد جنوب الأخدود، وفي الدريب آثار لمبانٍ لا يختلف أسلوب بنائها عن تلك الموجودة داخل القلعة؛ أما في الجزء الشمالي الشرقي من موقع الأخدود، فقد سجلت العمارة اختلافًا جذريًا حيث أضيفت عناصر، ومواد أخرى ومنها الطوب اللبن المحروق، وكذلك استخدام الحجر والطين معًا. وتميزت الفترة المعاصرة للحضارة البيزنطية بهذا النوع من المباني، التي استمرت خلال الفترة الإسلامية؛ ولعل من أبرز مبانيها القصر الضخم الموجود في أقصى الشمال الشرقي للموقع، الذي يُعتقد أنه بُني خلال تلك الفترة، وهذا ما تؤيده معثورات هذا الجزء من الفخاريات التي تحمل تأثيرات تلك الفترة، في حين عثر على بقايا مسجد مستطيل الشكل؛ بُني من الحجر والطين، وتتوسطه خمسة أعمدة مربعة، وذلك أثناء أعمال التنقيب في شمال شرق الموقع أيضًا؛ حيث يُعد أقدم نموذج للعمارة الإسلامية في المنطقة حتى الآن، ويعود تاريخه على الأرجح إلى القرن الأول أو الثاني للهجرة؛ وبالرغم من عدم وجود المحراب، فإن اتجاهه وأسلوب بنائه يؤيدان وظيفته التعبدية؛ خصوصًا أن المحاريب ربما أضيفت في فترة لاحقة عندما دعت إليها الحاجة، أو أنها اُستخدمت في مناطق دون أخرى في البداية؛ في الوقت الذي لم يطرأ تغيير كبير في عمارة المساجد منذ فجر الإسلام حتى الآن؛ ولذلك لم تبتعد عن الشكل المربع أو المستطيل.

ويبدو أن الاستيطان خلال الفترة الإسلامية لم يعد قاصرًا على موقع الأخدود؛ وإنما انتشر تدريجيًا في أجزاء متفرقة من الوادي؛ دون أن تكون هناك مدينة مركزية – كما في السابق- ولعل نجران تأثرت بحالة الركود الاقتصادي؛ الذي نجم عن توقف نشاط القوافل التجارية من جهة، ولبعدها عن مركز الثقل السياسي والإداري من جهة أخرى. ولذلك لم تتضح المظاهر العمرانية في هذه المنطقة خلال العصر الأموي أو العباسي.

ويحدثنا البكري في نهاية القرن الرابع الهجري: أن الأخدود خراب ليس بها إلا المسجد الذي أمر ببنائه عمر بن الخطاب –رضي الله عنه. وفي القرن السابع الهجري يقدم لنا ابن المجاور صورة باهتة عن نجران فيذكر أنها: سوق رئيس يعول عليه في البيع والشراء، ويشير إلى أن إقليم نجران طویل عريض وعامر، إلا أنه لم يوضح معالمه العمرانية.

لقد كان أسلوب البناء في نجران، خلال فترة ازدهار حضارة جنوب الجزيرة العربية، ينطوي على استخدام الأحجار المنحوتة في بناء أساسات المباني بارتفاع يصل في بعضها إلى 4 أمتار؛ بينما يُستخدم الطين في إكمال بقية أجزاء المبنى؛ إلا أن ذلك لم يعد ضروريًا إلى حد ما خلال الفترة المتزامنة مع ازدهار الحضارة البيزنطية، والعصر الإسلامي، فلم تعد الأحجار المنحوتة تستخدم إلا في أضيق الحدود، وبارتفاع لا يتعدى المتر، وأخذ الاهتمام بالتفاصيل المعمارية يقل تدريجيًا، حتى أصبحت العمارة في العصر الإسلامي المتأخر تكتفي بتحقيق الغرض الأساس منها؛ وذلك نتيجة لتردي الأوضاع الأمنية والسياسية بشكل خاص، وتمثلت هذه المرحلة ببناء القلاع التي أقيمت على رؤوس الجبال، والمرتفعات المطلة على القرى؛ كما هو الحال في قلعة جبل السبت في حبونا، وقلعة القشلة في بدر الجنوب، وقلعة حبونا. وفيما بعد أصبح الطين هو المادة الرئيسة للبناء، وبعض المباني التقليدية يعود البعض منها إلى ما يقرب من ثلاثمائة سنة، من أبرزها قصر الأمارة التاريخي، الذي يجمع بين مختلف العناصر المعمارية المميزة للعمارة التقليدية بنجران، وقد قامت وكالة الآثار والمتاحف بترميمه والمحافظة عليه، والذي يًعد نموذجًا فريدًا للعمارة التقليدية بالمنطقة.

ثانيًا: الصناعات التقليدية:

تمثل الحرف والصناعات الجانب المنتج من حياة المجتمع؛ حيث تتداخل الحِرَف في مدلولها العام مع مفهوم الصناعات التقليدية؛ فإذا كان الرعي، والصيد، والزراعة، والتجارة، والتطبيب، تُعد من الحرف؛ فإن الحدادة، والصناعة، والحياكة، والنجارة تمثل الصناعات.

ولا شك أن نجران من المناطق الغنية بتراثها الحضاري، الذي ورثته عبر مختلف مراحلها التاريخية والحضارية، ويظهر ذلك بوضوح في تعدد الفنون الشعبية، والحرف، والمصنوعات التقليدية، التي تعكس ذوقًا فنيًا، وتراثًا غنيًا.

لقد تنوعت الصناعات والحرف في نجران، فشملت كل متطلبات الحياة اليومية، فتعددت أشكالها، وأحجامها، وألوانها، وموادها الخام، حسب استخداماتها وأغراضها، ولعل تعدد وتنوع هذه الصناعات؛ أدى إلى تنوع خصائصها الفنية، التي عكست ذوق ومهارة الحرفيين، وتنوع ثقافاتهم، وأذواقهم.

1-الصناعات الفخارية  

تُعد الصناعات الفخارية من أهم الصناعات قديمًا، ولا تزال تحظى بأهميتها حتى الآن، ودلت المعثورات من المواد الفخارية في نجران، على أن هذه الصناعة كانت معروفة منذ الفترة السابقة لحضارة جنوب الجزيرة العربية؛ حيث استمرت وتطورت مع مرور الوقت، واستفادت من التأثيرات الحضارية خلال فترة ازدهار عصر التجارة البرية في الجزيرة العربية؛ مما أدى إلى تميزها. وبالرغم من أن صناعة الفخار في نجران خلال العصر الإسلامي المبكر، جاءت انعكاسًا للأنماط والسمات العامة لفخار حضارة جنوب الجزيرة العربية، وامتدادا لفخار الفترة البيزنطية؛ فإنها أضافت طابعها المحلي الخاص، الذي تمثل في ابتكار عناصر، وأنماط جديدة ميَّزتها عن غيرها.

لقد شهدت صناعة الفخار في العصر الإسلامي تطورًا كبيرًا أثمر عن وجود أنماط جديدة، تميزت بزخارفها الإسلامية الجميلة، وألوانها المتعددة؛ تمثلت في الأنماط السائدة للفخار خلال العصر الأموي والعباسي. وفي نجران تم العثور على كميات من الفخار الملون، والمزجج، والحرف الذي يحمل سمات وخصائص الفخار خلال هذين العصرين؛ في حين لا تزال صناعة العديد من الأواني الفخارية في نجران رائجة حتى الوقت الحاضر ومنها:

البرمة: قدر للطبخ.

التنور: فرن للخبز.

الزير: وعاء لتبريد وحفظ الماء.

المدهن: وعاء لتقديم الأكل.

الجمنة: وعاء لإعداد القهوة.

۲- صناعة الحجر الصابوني:

تشير الدلائل الأثرية إلى أن الحجر الصابوني استخدم في صناعة الأواني منذ أواخر العصر الحجري الحديث. وفي موقع الأخدود الأثري تم العثور على كميات من هذا الحجر؛ تنتمي إلى مختلف الفترات التاريخية والحضارية التي عاشتها المنطقة، وتمثل أجزاء من أبدان، وحواف، وقواعد، لأوانٍ مصنوعة من هذا الحجر، الذي يتميز بقابليته للنحت والتشكيل؛ مكن الصانع من التميز في نحت وتزيين هذه الأواني بزخارف هندسية رائعة. وقد تم العثور على نماذج كثيرة لها في الأخدود، ولعل أهمية هذا الحجر استمرت حتى وقتنا الحاضر، حيث لا تزال هذه الصناعة قائمة؛ ويُعد المدهن من أهم مصنوعات الحجر الصابوني، ولا يزال يستخدم على نطاق واسع من قبل أهالي نجران حتى الآن.

٣- الصناعات الخشبية

يُعد الخشب من أقدم وأكثر المواد التي استخدمها الإنسان؛ حيث تم استخدامه منذ العصر الحجري، عندما كانت الفؤوس، ورؤوس السهام الحجرية تُثَبَّت في مقابض خشبية، ومنذ ذلك الحين تعددت المصنوعات الخشبية خلال مختلف العصور؛ فشملت الأبواب، والشبابيك، والأواني المنزلية، والأدوات الزراعية والصناعية، وغيرها؛ ولعل توافر الأخشاب في الطبيعة، وسهولة استخدامها ساعد على تنوع مصنوعاتها، واستعمالاتها، ولا يزال الكثير من هذه المصنوعات تستخدم في نجران حتى الآن؛ وتشمل الأقداح، والمكاييل، والصحاف، والصناديق، والسرر، وغيرها، والتي يتم تزيين العديد منها بالزخارف الهندسية، والكتابات، والقطع المعدنية.

4- الصناعات المعدنية

حظيت الصناعات المعدنية بأهمية كبيرة منذ اكتشاف المعادن، التي تعد أكثر المواد قدرة على تحمل تبعات الاستخدام لفترة طويلة، وقد تعددت المعادن، وتعددت بالتالي استخداماتها؛ فشملت الأسلحة، والحُلي، والأواني ، والأدوات المختلفة، وغيرها. وفي نجران بقي العديد من الصناعات المعدنية قائمة بنفس أسلوب صنعها القديم ومن أبرزها:

أ – صناعة الخناجر:

تمثل صناعة الخناجر أبرز الصناعات التي لا تزال قائمة في نجران؛ وذلك لما تمثله الخناجر لدى أهالي المنطقة من أهمية؛ بصفتها زيًا تقليديًا يحظى باهتمام كبير. وبالرغم من عدم العثور على خناجر خلال الحفريات الأثرية في نجران حتى الآن؛ فإنها على الأرجح عُرفت منذ فترة سابقة لحضارة جنوب الجزيرة العربية؛ وهذا ما تؤيده الرسوم الصخرية في منطقة بئر حما ويدمه، التي يظهر من خلالها الكثير من الأشخاص يتقلدون الخناجر والسيوف، ولقد كانت الخناجر قديمًا ترمز للشجاعة والرجولة، وتُستخدم سلاحًا للدفاع عن النفس؛ في حين استمرت حتى الآن رمزًا للأصالة، ومصدرًا للفخر، وزيًا للمناسبات؛ ولذلك لا تزال صناعة الخنجر من أبرز الصناعات التقليدية القائمة، ليس في نجران فحسب؛ وإنما في جنوب الجزيرة العربية بشكل عام، كما هو الحال في اليمن، وسلطنة عمان. ويصنع الخنجر من الحديد، بمقبض يصنع من قرون بعض الحيوانات، ويحلی بقطع فضية أو ذهبية؛ في حين يصنع الغمد من الخشب المغطى بالجلد أو بصفائح من الفضة، وأحيانًا بهما معًا، ويثَبَّت الغمد في حزام من الجلد، وحاليًا يوجد في نجران سوق تختص بصنع، وصيانة، وبيع وشراء الخناجر، ولا يزال يقوم بوظيفته لخدمة هذه الصناعة.

ب – صناعة الحُلي:

حظيت صناعة الحلي بأهمية كبيرة لدى معظم المجتمعات قديمًا وحديثًا، وتنوعت مواد هذه الصناعة، فشملت المعادن النفيسة ومنها الذهب والفضة، ومعادن أخرى ومنها الحديد، والنحاس، والبرونز، إلى جانب الأحجار الكريمة، أو شبه الكريمة؛ ولعل ندرة وغلاء هذه المواد أدى إلى ارتباطها بالترف، واقتصر النفيس منها على فئات اجتماعية دون أخرى.

لقد اشتهرت جنوب الجزيرة العربية بتوافر العديد من المعادن والأحجار النفيسة التي تم استغلالها لصنع الحلي، وأدوات الزينة في جميع العصور؛ وبالرغم من أن الحفريات في موقع الأخدود الأثري كشفت عن القليل فقط من الحلي؛ فإن صناعتها في جنوب الجزيرة العربية بشكل عام، وفي نجران بشكل خاص، كانت من الصناعات المتميزة ، واستمرت إلى عهد قريب؛ ولعل بعض المصنوعات القديمة منها لا تزال تستخدم حتى الوقت الحاضر.

لقد تنوعت الحلي في نجران، فشملت القلائد المصنوعة من الخرز مثل الظفار، والعقيق الأبيض والأسود، والأحمر، وكذلك اللؤلؤ، والزجاج، والجزع؛ وربما أضيف إلى بعضها عُرَى من الذهب أو الفضة، وتشكل الحلي المصنوعة من الفضة الغالبية العظمى من زينة المرأة في نجران؛ منها ما يوضع حول العنق على شكل قلائد، مثل اللبة، واللازم، والصمط، التي تحتوي على أهداب بأشكال مختلفة حسب ذوق الصانع، وتُطلی بالذهب أحيانًا، أو تُطَعَّم بفصوص بعض الأحجار الكريمة، ومنها ما يوضع على الرأس، مثل الدنعة والحلق؛ بينما تتدلى الخرصان بجوار الآذان، وتُحَلَّى الأيدي بالحداود والمطال، التي تصنع على شكل أساور تحيط بالمعصم؛ في حين تحلى الأصابع بالخواتم، والأرجل بالخلاخل، التي تحتوي أحيانًا على أهداب تُحْدِث رنينًا في أثناء الحركة، كما يتم أيضًا ارتداء الحزام حول الخصر. ومع أن الفضة هي المادة الرئيسة لصنع معظم هذه الحلي؛ فإن البعض منها ربما يصنع من الذهب؛ ولكن في حالات محدودة ونادر، وربما تم طلاء الحلي الفضية بماء الذهب عوضًا عن صنعها من الذهب الخالص.

لقد تميزت صناعة الحلي أكثر من غيرها بالتركيز على الجانب الفني والجمالي؛ لذلك تنافس الصاغة في العناية بالتفاصيل الدقيقة من خلال الزخارف الجميلة، وإضافة مواد مختلفة لنفس الحلية جعلت من بعضها قطعًا فنية رائعة.

5- صناعة النسيج والحياكة:

شهدت صناعة النسيج في جنوب الجزيرة العربية بصفة عامة، ومنطقة نجران بصفة خاصة، تقدمًا ملحوظًا وازدهارًا كبيرًا في عصورها الإسلامية، وكانت تمول معظم أجزاء الجزيرة العربية بالكثير من الألبسة والمنسوجات.

وبالرغم من الجهود التي بذلت من قبل وكالة الآثار والمتاحف في التنقيب والبحث عن آثار المنطقة؛ حرصًا منها على إبراز تراثها وصيانته وحفظه، فإن العثور على عينات من صناعة نسيجها لم يتيسر؛ ولا يعني ذلك عدم وجوده، ولكنها مواد عضوية سهلة التحلل، وسريعة الاستجابة للعوامل البيئية المدمرة، على أن كتب التراث الموثقة تشهد للمنطقة بالريادة في صناعة الملابس بمختلف أنواعها، سواء الحريرية، أو الصوفية، أو القطنية.

ومن الوثائق الأولية، أن الرسول كاتب أهل نجران حين دخولهم الإسلام على ألفي حلة ضمن ما كاتبهم عليه، ويروى أنه كُفَّنَ في ثلاثة أثواب نجرانية. ونستنتج من الرواية الأولى وفرة إنتاج النسيج؛ الأمر الذي جعل الرسول يضمنه صدقات نجران، ونستنتج من الرواية الثانية جودة الصنعة؛ وهو ما دعا الصحابة – رضوان الله عليهم – إلى اختيار أثواب نجران على غيرها.

إذا كانت هذه حالة صناعة الأثواب والبُرَد؛ فلا شك أن صناعة غيرها من المنسوجات كان سائدًا، حتى مع غياب الشاهد المادي فيما كُشف عنه من آثار المنطقة.

وقد شملت صناعة النسيج والحياكة في منطقة نجران خلال عصورها الإسلامية فنونًا متنوعة، وتخصصات مختلفة، منها ما هو ضروري في حياة سكانها اليومية مثل الخدر، والخيام، والفرش، والملابس، ومنها ما هو كمالي ارتبط بمظاهر الترف والذوق الفني الرفيع، مثل العمائم، والشمائل، والأقمشة، التي زُينت بمختلف الألوان والمناظر، وتختلف المنسوجات باختلاف مادة النسيج، ومن المواد التي استعملت للنسيج “الصوف بأنواعه”، وشعر الماعز، والوبر، والقطن والشاش، والكتان والحرير. وطريقة إعداد النسيج في المنطقة معروفة منذ القدم، واشتهرت نجران بجودة صناعته، وإتقانها، والحرص على أناقتها، وظلت محافظة على سمعتها في صدر الإسلام، فكان أغنياء الحجاز، وغيرهم من جزيرة العرب يتفاخرون بحصولهم عليها، ويلبسونها في أعيادهم ومواسمهم؛ ومن ذلك “البُرْد” المعروفة ب(الحبر) النجرانية، وتعد من أغلى الملابس في عهد الرسول، ولما قدم وفد نجران على الرسول كانوا يتوشحونها، وربما كانت تؤدي الوظيفة التي تؤديها البشوت أو المشالح في الوقت الحاضر، ويُروى أن الرسول  سُجَّي بواحدة من تلك الحبر.

ومع أن صناعة النسيج قد تراجعت كثيرًا في منطقة نجران عما كانت عليه في صدر الإسلام؛ فإن المنطقة لا زالت تنتج أنواع من المفروشات، والأدوات، وبيوت الشعر، ويشيع استعمالها في بادية المنطقة؛ في حين يقتصر استعمالها في الحواضر نموذجًا لتراث المنطقة العريق. وتزين المصنوعات الصوفية المعاصرة بزخارف متعارف عليها ومنها:

(الصبر، والحامي، والحاجب، ونترة صغيرة، ونترة كبيرة، وبتحة، وفرخ، وغيرها).

ومن المنسوجات الصوفية التي لا زالت قائمة:

١- المجرة: فراش صغير.

۲- رداعة: فراش صغير.

۳- الهدر: فراش طويل وعريض.

4- بساط: وغالباً ما يكون أسود.

5- الساحة: فراش.

6- الخُرْج: حاوية الحمل الأمتعة على ظهور الدواب.

۷- البطانة: لتبطين بيوت الشعر.

۸- العذر: للجمال.

9- قلائد: للخيول.

وبالرغم من تراجع صناعة النسيج وانحسار انتشارها، فإنها لا تزال تحظى بتشجيع متواصل من المؤسسات الحكومية ذات العلاقة للحفاظ عليها، وتطويرها، والتوسع في إنتاجها.

6- صناعة الجلود:

تُبْرز الصناعة الجلدية في منطقة نجران أحد الجوانب الفنية التي مارسها سكانها منذ عصورها القديمة، واستخدمت الجلود من نواح كثيرة في حياتهم اليومية، وكانت صناعة الجلود تحظى بعناية خاصة وأهمية كبيرة؛ فقد ذكر هشام بن الكلبي عن «كعبة نجران» أنها كانت قبة من أدم من ثلثمائة جلد، ولعله الخبر الوحيد الذي يفيد باستعمال الجلود في عملية البناء، وربما تكون قد استخدمت بصفتها مواد إضافية لتزيين المبنى وزخرفته، وربما لتغطية أخشابه وحجارته، وقد استخدمت جلود البقر، والجمال، والغنم، والماعز، بعد دباغتها وتجهيزها، ومن أشهر الصناعات الجلدية الأحذية (الخُفْ -النَّعَال)، وقِرَب الماء، والدلاء، والجُرَاب لحفظ الأشياء الجافة، والمزاود، وهي أوعية للزاد والأمتعة، ومنها كذلك ” العياب” وهي كبيرة وتخزن بها الحبوب، ومنها أيضًا صناعة “السروج ومفردها “سَرْج” وهو رحل الدابة (الخيول، والبغال، والحمير)، ويتبعه «اللجام»، « الرسن»، ومن أبرز الصناعات الجلدية التي لا تزال قائمة حتى الآن:   

الميزب: أداة تستعمل لحمل الطفل الرضيع، وتحمل على الكتف عند الحاجة، وتتم صناعتها بأساليب مختلفة، كما أنها مزودة بزخارف جميلة.

المسبت: وهو حزام من الجلد يحيط بالخصر، ويتفرع من الخلف إلى جزأين يوضعان على الكتفين، ثم يتقاطعان على الصدر على شكل (×)، ثم يوصلان بالحزام في المقدمة، ويضم المسبت الحزام جيوبًا يتسع كل منها لطلقة نارية واحدة، ويُزَيَّن المسبت بزخارف فنية ذات ألوان متعددة. وهناك أحزمة خاصة ب «الجنابي» و«الخناجر».

الزمالة: وهي حاوية كبيرة تستعمل لحفظ الأشياء الخاصة.

المسب: جراب لحمل لغذاء، ويُحمل على الكتف بواسطة سير من الجلد.

العصم: جراب من الجلد صغير الحجم له فتحة تقفل بسير من الجلد.

القطف: جراب أصفر من العصم، وتحفظ به القهوة.

إضافة إلى بعض المفروشات، والمقاعد الجلدية التي يتطلب إعدادها مهارات فنية، بالإضافة إلى العديد من الصناعات، والحرف الشعبية التي كانت تلبي احتياجات أهالي نجران.

ثالثًا: الفنون الشعبية:

تعكس الفنون الشعبية ذوق وعادات وتقاليد المجتمعات، وتتنوع هذه الفنون ويختلف أداؤها ومسمياتها في نجران؛ حيث يعتمد بعض هذه الفنون على اللحن فقط، بينما البعض الآخر يعتمد على اللحن والإيقاع، وتؤدى في مناسبات عديدة ومنها الزواج، والختان، والأعياد، وغير ذلك؛ من أبرزها:

الزامل: أحد الفنون الشعبية التي تؤدى في جميع المناسبات، بحيث لا تقتصر على الأفراح؛ وإنما تشمل مناسبات التوسط في حل الخلافات، التي تنشأ بين القبائل أو الأفراد وما شابهها، ويؤدى هذا اللون دون استخدام الإيقاعات، عندما تقوم مجموعة من الناس فور وصولها إلى مكان المناسبة بترديد بيتين من الشعر يحملان في معناهما تفسيرًا لسبب قدومها من خلال لحن معين؛ في حين يتم استقبال الوافدين من قبل مجموعة أخرى تقوم بترديد بيتين من الشعر أيضًا بنفس اللحن ترد على الوافدين، وعادة تحمل الأبيات في معناها الترحيب أو الاستعداد لتحقيق طلب المجموعة الوافدة عندما تتعلق المناسبة بحل خلاف، وربما يكتفي بالترحيب دون الرد بأبيات شعرية، وتكمن أهمية هذا اللون في كونه يعد البداية لأي مناسبة أيًا كان نوعها.

الرزفة: وهي لون يؤدى أيضًا دون إيقاعات بواسطة مجموعة من الناس تنقسم إلى صفين، يتناوبان على ترديد أبيات من الشعر؛ بينما يتحرك كل صف بشكل راقص في اتجاه الصف الآخر تارة، وإلى الخلف تارة أخرى؛ حيث يتخلل ذلك رقصات في الوسط لشخصين من وقت إلى آخر.

المرافع أو لعبة الطبول

يعد هذا اللون من أكثر الألوان شعبية في المنطقة؛ ويجمع بين اللحن والإيقاع، ويؤدى بواسطة مجموعة من الناس يقومون بالرقص بنفس أسلوب الرزفة، مع ترديد الأبيات الشعرية بألحان مختلفة، وإيقاعات عديدة راقصة.

المصادر:

آثار منطقة نجران، سلسلة آثار المملكة العربية السعودية، وكالة الآثار والمتاحف، 1423هـ/2003م.

نجران، موسوعة المملكة العربية السعودية، مج 15، الرياض، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة،

العقيلي، محمد بن أحمد، نجران في أطوار التاريخ، المؤلف، 1404هـ/1984م.

آل فائع، أحمد بن يحيى، نجران في عهد الدولة السعودية الأولى 1157-1233هـ/ 1744- 1818م، دراسة في الأوضاع السياسية والعسكرية، مجلة الدارة، س 37، ع 4، شوال 1432هـ.