الزخارف والنقوش الخشبية في المنطقة الشرقية

“كان نتاج الإنسان على هذه الأرض ممزوجًا بعبقرية، تزامنت فيها الرؤى وحالة التوافق بين الإنسان والمكان، وأظهرت تلك العبقرية التعاطي الإيجابي مع مختلف الصور والظواهر البيئية والطبيعية التي آمن الإنسان بأنه جزء منها”.

تعد البيئة المحلية في شرق المملكة العربية السعودية ركيزة مهمة أثرت في النشاط الإنساني، وكوّنت هويّته؛ فقد انعكس تنوع البيئة وثراء مواردها على تنوع الإنتاج الحرفي الفني لسكان المنطقة الشرقية. ونشأت الفنون والحرف التقليدية المحلية في ظل تنوع الموارد الطبيعية، وتطور أنشطة الإنسان واحتياجاته، ومثَّلَت هذه الحرف العلاقة بين الوظيفة والجمال؛ فهي تؤدي وظيفة اجتماعية، إلى جانب كونها عملًا فنيًا بحتًا. وشهدت هذه الفنون تنوعًا؛ نتيجة حركة التنقلات والهجرة البشرية المتبادلة بين مناطق الخليج العربي بغرض التجارة أو طلب العلم، وانعكست بدورها على تطور الفنون والحرف المحلية، وتأثرها بفنون تلك الحضارات والدول، كما أضافت إلى خبرة الحرفي المحلي، ووسعت مداركه، وثقافته؛ مما يؤكد قابلية الفنون المحلية للامتزاج والتفاعل مع الآخر.

ومن تلك الحرف، النجارة التي كانت حرفة مساندة للقلافة (صناعة السفن) وللعمارة، وسارت بشكل متوافق ومتوازن مع إيقاع الحياة، وتأثرت بالمتغيرات والتحولات في البيئة والمجتمع المحيط، إلى جانب وظيفتها العملية الأساسية، كما عكست النجارة العديد من القيم الجمالية والفنية؛ خاصة وأنها كانت الحرفة التي حفظت الكثير من الزخارف المحلية التي تزينت بها المباني، والأدوات الخشبية.

تمثل تلك النقوش نتاجًا ثقافيًا حضاريًا لأجيال عاشت على هذه الأرض وتفاعلت مع معطياتها، وعبَّرت من خلال فنونها عن صدق ذلك التفاعل، والانسجام، والتوافق مع المكان بكل ما فيه من مفردات وصيغ جمالية، وعاها الفنان الشعبي وأدرجها ضمن منظومته البصرية؛ بصفته فنًا تطبيقيًا يحمل مضامين وصفات نفعية وجمالية.

اتسقت الزخارف والنقوش مع قيم المجتمع المحلي المسلم، الذي كان يبتعد عن تجسيد الأجسام الحية؛ ولذلك عمد الفنان المحلي إلى تحوير تلك الأجسام بشكل زخرفي كما في أشكال بعض الطيور والحيوانات.

دخلت النقوش في الكثير من المشغولات الخشبية، التي ينتجها المجتمع المحلي في شرق المملكة العربية السعودية، وظهرت على الصناديق، والدواليب، والأسرَّة، وكانت أكثر تنوعًا وثراءً            في القطع والأجزاء الخشبية المرتبطة بالعمارة كالأبواب والشبابيك، التي تميزت بتنوع نقوشها وزخارفها بطابع محلي متفرد.

اتسمت النقوش الخشبية المحلية بخصائص فنية تؤكد ارتباط الفن بالأرض والبيئة، فأبدعت يد الصانع الماهر أنماطًا وأشكالًا فنية وزخرفية في غاية الدقة والجمال.  ومنها:

الهيلة:

وتعني حبة الهيل المستخدم منذ القدم في إعداد القهوة العربية؛ أما في النقوش الخشبية فاستخدمت الهيلة عنصرًا زخرفيًا.

الزهرة:

ظهرت الزهرة بصفتها عنصرًا زخرفيًا في الكثير من الفنون الزخرفية لدى مختلف الشعوب، وهي من العناصر الجميلة، التي تفننت معظم الشعوب في رسمها ونقشها منذ أقدم العصور، بأشكال وأصناف متعددة، وأكثر ظهور للزهرة في النقوش الخشبية المحلية كانت بأسلوب هندسي، ويعتمد الإخراج النهائي للزهرة على طريقة الحفر التي يلجأ فيها بعض الحرفيين إلى نقشها بشكل مقارب للطبيعة.

النجمة:

اهتم الفنان الشعبي بالنجوم؛ بصفتها عنصرًا زخرفيًا؛ لما تحمله من دلالات ومعان مختلفة، وأشهر النجوم التي ظهرت في النقوش الخشبية المحلية هي النجمة الثُمَانَّية (المثومنة) .

النخلة:

للنخلة عند العربي قيمة كبيرة، فهي مصدر الخير والجمال، ورمز عظيم الشأن والمنزلة قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾[سورة ق:10]، وظهرت في النقوش الخشبية الكثيرة التي نفذها الحرفيون في المنطقة الشرقية.

ورقة التين:

تعد شجرة التين من الأشجار التي تزرع بكثرة في المنطقة الشرقية، وتثمر في فصل الصيف متزامنة مع إنتاج النخلة للرطب، وهي من الأشجار المباركة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ﴾[التين:1-2]، ولا يُعرف على وجه الدقة بداية ظهورها كشكل زخرفي محلي؛ إلا أنها عرفت أكثر من خلال النقوش الخشبية.

المَرَش:

وهو الوعاء الذي يوضع فيه ماء الورد، الذي يُرَش على الحاضرين في مناسبات الأفراح، واقتبس شكله في العديد من النقوش الخشبية في المنطقة الشرقية.

النقوش الكتابية:

برز الخط العربي بصفته عنصرًا جماليًا في الفنون الإسلامية. وقد حفلت مختلف المشغولات والتحف الفنية الإسلامية بالكتابات والخطوط؛ التي أضفى عليها الفنان المسلم روح الإبداع والتجلي، في مختلف التحف والأعمال الفنية التي زينتها الكتابات والخطوط؛ حيث برع الفنان المسلم في استجلاء جماليات الحرف العربي، وتشابك أجزائه، وتحويله لوحدات زخرفية متداخلة، ومتماثلة، ومتناظرة بأنواع الخط العربي التي عرفت في الفن الإسلامي كالكوفي، والديواني، والثلث. ولم يكن استعمال الخط في الزخرفة أمرًا جديدًا؛ إنما الجديد لدى المسلمين هو الخصائص الزخرفية للخط العربي، التي أتاحت لهم التوصل لزخارف خطية بديعة ليس لها مثيل في فنون الحضارات الأخرى، وتبرز خصوصية الكتابات المنقوشة في الخشب؛ كونها تنقش في صدر الباب الذي يرتبط في كثير من الأحيان بالتفاؤل وطرد الحسد والعين؛ لذا استخدمت الآيات القرآنية التي توحي بالتفاؤل والبشرى مثل آية الكرسي، والبسملة، والمعوذات، وبعض الأذكار والعبارات، مثل: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾[الحجر:46]. ولا يمكن الحديث هنا عن الخطوط والكتابات على أنها ظاهرة أو لازمة في كثير من الأبواب؛ فلقد كان وجودها بشكل محدد يرجع لانتشار الأمية في ذلك الزمان، وقلة التعليم، وقلة الحرفيين الذين يجيدون الكتابة، وتوجد أجمل الشواهد المكتوبة والنادرة ضمن الأبواب المحفوظة في متحف الدمام الإقليمي.

تنقسم الكتابات من حيث الغرض والتكوين الفني لعدة أنواع، أهمها الكتابات القرآنية، وكذلك الأذكار والأبيات الشعرية، والكتابات التي تؤرخ للصناعة بنقش اسم الصانع أو تاريخ الصناعة، وغالبًا ما تنقش الكتابات بأسلوب النقش البارز، وهناك بعض الآيات المنقوشة بالحفر المباشر العفوي بطريقة الكتابة الدراجة، ومن أكثر الخطوط اللافتة للنظر، الكتابات القرآنية التي يغلب عليها الأسلوب الفني والزخرفي أكثر منه للقراءة.

ومن هذا العرض يتضح أن النقوش الخشبية، كانت عنصرًا رئيسًا في الفنون المحلية في المنطقة الشرقية، وجزءًا حيويًا منها، وشاهدًا على ثراء المنطقة الثقافي، وتنوعها البيئي والبشري.

المصدر:

الوايل، سعيد بن عبدالله، الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز 1431هـ/2010م.