الطائف (1)

الطائف مدينة تاريخية عريقة، وتُعد من مدن الحجاز الرئيسة، هي اليوم محافظة تتبع منطقة مكة المكرمة. تميزت الطائف بموقعها المميز على قمة جبل غزوان؛ مما أكسبها تضاريس جبلية ذات حصانة ومناعة عززت من أهميتها. كما تتمتع الطائف بمناخ معتدل في فصل الصيف، وطبيعة جميلة، وأرضٍ خصبة، ومياه وفيرة، ومنتجات زراعية وحيوانية متعددة؛ مما جعلها مقصدًا للتنزه والاستجمام. قال عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان: “وهي طيبة الهواء شمالية، ربما جمد فيها الماء في الشتاء وفواكه أهل مكة منها”. وقد قال عنها ابن حوقل: “مدينة صغيرة نحو وادي القرى، كثيرة الشجر والثمر، وأكثر أثمارها الزبيب وهي طيبة الهواء، وفواكه مكة وبقولها منها”.

وللطائف تاريخ عريق وقديم، وأثبتت الرسوم والنقوش الصخرية على الجبال والكهوف؛ قدم الاستيطان الإنساني بها، وتشير المعلومات إلى أن أول من سكنها هو وج بن عبد الحي، من العماليق، ثم سكنتها قبيلة ثقيف، وعَمَروها، وحين ازدادت قوتهم، قرروا بناء سور يحيط بها ليكون حصنًا، وسموه الطائف؛ لأنه يحيط بهم وكأنه يطوف حولهم، وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك:

نحن بنينا طائفًا حصينًا … يقارع الأبطال عن بنينا

وأصبح يضرب به المثل في المناعة، ومن ذلك قول أبو طالب بن عبد المطلب:

منعنا أرضنا من كل حي … كما امتنعت بطائفها ثقيف

أتاهم معشرٌ كي يسلبوهم … فحالت دون ذلكم السيوف

كان للطائف مكانة كبيرة قبل الإسلام، وذكر المفسرون أنها إحدى القريتين المذكورتين في قوله تعالى: “وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ” (الزخرف، 31)، ويُعد سوق عكاظ الذي يقع شمال مدينة الطائف شاهدًا على مكانتها، ودورها في المنطقة، وهو يُعد أكبر أسواق العرب قبل الإسلام، يقصده رجال القبائل، والتجار، والشعراء، للبيع والشراء، ومناقشة القضايا المهمة والفصل فيها.  

وبعد الإسلام، أصبحت الطائف بحكم موقعها محطة مهمة على طريق الحجاج، فتشرف على طريق الحج اليمني الذي يعبر الجبال، وطريق الحج العراقي قرب ميقات قرن المنازل الذي يُعرف الآن بالسيل.

وارتبطت بالطائف أحداث مهمة، فاتخذ منها الحجاج بن يوسف الثقفي مركزًا عسكريًا، خلال الحملة التي قادها ضد عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما. كما سكنها عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ودفن بها.

حافظت الطائف على مكانتها الاستراتيجية والاقتصادية، وخلال عهد الدولة العثمانية تحولت الطائف إلى مركز عسكري، واهتم ولاة الحجاز بتحصين الطائف؛ ببناء سور محكم، مزود بالأبواب، والأبراج، كما بُنيت فيها قلعة، وثكنة عسكرية (قشلة).

وفي عهد الملك عبد العزيز أصبحت الطائف مقرًا صيفيًا للحكومة، ومقرًا عسكريًا لبعض وحدات الجيش السعودي، كما اتخذ منها مقرًا ومرآبًا للطائرات العسكرية السعودية منذ عام 1349هـ/1930م. وفي عام 1354هـ / 1935م شُكِّلت وكالة الدفاع والطيران وكان مقرها الطائف، واستمرت كذلك حتى عام 1371هـ/1951م، وفي العام التالي فُتحت المدارس العسكرية للضباط.  وكانت الاحتفالات العسكرية للجيش السعودي تقام فيها.

ومن آثار الطائف، السدود، مثل: سد عكرمة، وسد سيسد؛ والمساجد، ومنها: مسجد الموقف الذي يعرف بمسجد الكوع، ومسجد عداس، ومسجد عبدالله بن عباس. والقصور، مثل: قصر شبرا، وبيت الكاتب.

زارها وكتب عنها الكثيرون، ومنهم:

 1 – جون لويس بوركهارت John Lewis Burckhardt، الذي زارها عام 1230هـ / 1814م، وتزامنت زيارته لها مع حملات محمد علي باشا، التي شنها ضد الدولة السعودية الأولى بأمر من الدولة العثمانية. وكتب عنها النص الآتي:

“… مدينة الطائف تقع وسط سهل رملي، يقدر محيطه بمسير حوالي أربع ساعات، وهذا السهل تنمو فيه الأشجار الكثيفة، وتحيط به الجبال، التي يسميها الناس هنا جبل غزوان، وهو عبارة عن صخور فرعية من سلسلة رئيسية، تمتد إلى مسافة مسير أربع ساعات أو خمس في اتجاه الشرق، ثم تنخفض بعد ذلك في السهل. والطائف عبارة عن مربع غير منتظم، يصل محيطه إلى مسير حوالي خمس وثلاثين دقيقة بالخطوة السريعة، كما أنها محاطة بسور وخندق أُنشئ مؤخرًا، هذا السور فيه ثلاث بوابات وتحرسه ثلاثة أبراج؛ لكنه أقل صلابة من أسوار جدة، والمدينة، وينبع، ويصل سمكه في بعض أجزائه إلى ثماني عشرة بوصة. على الجانب الغربي من السور، من داخل المدينة، توجد قلعة مقامة على أرض صخرية مرتفعة، وهذه القلعة تشكل جزءًا من السور … وجدرانها الحجرية أقوى من جدران المباني الأخرى؛ وعلى الرغم من أن هذه القلعة شبه مخربة حاليًا، فإن محمد علي جعل منها مركزًا للرئاسة. منازل الطائف صغيرة في معظمها؛ لكنها مبنية من الحجر، غرف الاستقبال في الطابق العلوي، وأنا لم أر غرف استقبال في الدور الأرضي، كما هو الحال في تركيا. شوارع الطائف أوسع من شوارع المدن الشرقية، والمكان العام الوحيد الموجود أمام القلعة، عبارة عن مساحة واسعة مفتوحة يستخدمها الناس سوقًا.

…شاهدت مسجدين كبيرين، أفضل هذين المسجدين هو مسجد الهنود. …وباستثناء البنايات الأربع أو الخمس التي يسكنها موظفو الباشا، لم أر مبنى من المباني أكبر من الحجم الشائع هنا في هذا البلد.

يجرى مد الطائف بالماء من بئرين غزيرتين، إحداهما داخل الأسوار، والأخرى من أمام واحدة من البوابات، والماء هنا عذب؛ لكنه ثقيل. هذا البلد شهير في سائر أنحاء الجزيرة العربية بحدائقه الجميلة، التي تقع عند سطوح الجبال التي تحيط السهل الرملي، أنا لم أشاهد أية حديقة من هذه الحدائق؛ بل لم أشاهد مطلقًا حتى ولو شجرة واحدة داخل أسوار المدينة، يضاف إلى ذلك أن المنطقة المجاورة لنا جرداء وخالية من الخضرة؛ الأمر الذي يجعل الحزن يخيِّم على المنزل شأن كل المنازل الأخرى في الجزيرة العربية. أقرب الحدائق إلينا كانت في الاتجاه الشمالي الغربي، على بعد مسير حوالي نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة، في هذا الجانب أيضًا توجد ضاحية مهجورة، مفصولة عن المدينة ببعض النخيل الموجود بين أنقاض هذه الضاحية التي هجرها أهلها قبل الغزو.

أنا لم أزر أيا من تلك الحدائق. يوجد وسط هذه الحدائق بعض المقصورات التي يزجى أهل الطائف فيها أوقات فراغهم، أشهر هذه المقصورات هي وادي مثناة، ووادي سلام. تُروى هذه الحدائق من آبار ومن أفلاج تنحدر من الجبال، أشجار الفاكهة موجودة هنا بأعداد كبيرة، وكذلك حقول القمح والشعير. الفواكه التي تذوقتها في الحجاز هي الأعناب ذات الأحجام الكبيرة والمذاق اللذيذ، والتين، والسفرجل، والرمان؛ لكن الأنواع الأخرى التي سبق ذكرها في جبل قورة هي الأخرى موجودة هنا. حدائق الطائف شهيرة أيضًا بوفرة الورود، التي يجري نقلها مثل الأعناب، إلى سائر أنحاء الحجاز، كان كبار تجار مكة من قبل يجعلون من تلك الحدائق والبساتين منتجعاً لهم في فصل الصيف.

سكان الطائف المتجانسون كلهم من العرب، أو بالأحرى من قبيلة ثقيف، وبخاصة الذين استقروا واستوطنوا الأماكن التي يعيشون فيها، وتعود ملكية الحدائق المجاورة للبلدة هي ومحلات المؤن والتموينات التي داخل أسوار البلدة إلى العرب، الذين هم من بني ثقيف. يوجد أيضًا بعض المكِّيين الذين استوطنوا الطائف، … ومبلغ علمي، أنه لا يوجد تجار جملة في الطائف؛ أحصيت الدكاكين في الطائف فوجدتها خمسين دكانا. كانت الطائف مدينة تجارية، وكان عرب المناطق المحيطة بها، والتي تبعد مسير أيام كثيرة، يفدون إلى الطائف طلبًا لشراء الملبوسات، في الوقت الذي كان سكان الجبال يجلبون محصولهم من القمح والشعير؛ كانت الطائف أيضًا مكانًا مهمًاً من أماكن تجارة البن، الذي كان يُجلب من جبال اليمن عن طريق البدو؛ وبذلك كانوا يتحاشون أو يروغون من العشور الثقيلة، التي كانت تُفرض عليهم في موانئ سواحل الجزيرة العربية. كل شيء هنا يوحى بالبؤس الشديد في هذا البلد. واردات الطائف من المناطق الداخلية في الجزيرة العربية تتمثل في التمور، التي يجلبها عرب عتيبة من مزارعهم المثمرة الموجودة داخل أراضيهم، … كانت قوافل المؤن والتموينات تصل إلى الطائف مرة واحدة في الأسبوع؛ لكن النقص في أعداد الإبل كان هو السبب الرئيسي وراء شح الاستيراد من الساحل، بغية تقليل أسعار المواد الغذائية؛ وعلى الرغم من أن عامة الناس يعيشون على التمور بصفة أساسية، وبالتالي فهم لا يستهلكون شيئًا من التموينات التي يجرى إحضارها من مكة، على الرغم من كل ذلك؛ فقد عَرِفْت من مصدر جيد، أن التموين في الطائف لا يكفي الجيش التركي سوى عشرة أيام.

هناك أسماء متعددة من أسر أشراف مكة، يعيشون هنا في الطائف، كما أن أسلوب الحياة، وكذلك الملبس، والسلوكيات، يبدو أنها مثل نظيراتها في مكة…”

1- خير الدين الزركلي الذي زارها أكثر من مرة، كان أولها عام 1339هـ / 1920م، وكتب عنها الآتي:

“إذا جال الشاعر جولته الأولى في الطائف، ورأى ما حول مدينته من ربيع، ونبات، وينابيع، وجداول، وفواكه، وأزهار، وحدائق، وبساتين، لم يشك بصدق ما يتلوه في مقدمات تواريخ الفاكهي، والعجيمي، والميورقي، وأشباههم؛ ممن نقل هؤلاء عنهم، كياقوت وابن أبي الصيف، أو نقلوا عن هؤلاء وأولئك، كالقاري وغيره؛ إذ يراهم متفقين أو يكادون يتفقون على أن الطائف قطعة نُقلت إلى الحجاز من الشام، وفيهم من يقول من اليمن؛ يستدلون على هذا بخصبها واختلافها عن غيرها من بقاع الديار الحجازية، بطيب هوائها، وعذوبة مائها، وجمال نضرتها، وحسن خضرتها.

ولنقل ونحن في هذه البقعة من بقاع الحجاز إننا في مصيف من مصائف الشام، أو مخلاف من مخاليف اليمن، أو جنة من جنان مصر؛ فليس على الخيال حرج وللشاعر أن يشبه ما شاء بما شاء ما اتفق له وجه الشبه..

وقد يأخذ الشاعر أخذ المؤرخ الأفرنجي «سيديو» فيقول معه: «الطائف بستان مكة»؛  وربما عاد إلى دواوين الأدب فأعجبه منها قول عروة بن حزام، وقد خرج من سور الطائف ونظر إلى واديه «وج»، فإذا حمامة ترفرف على أحد أغصانه:

حقًا يا حمامة بطن وجّ   بهذا النوح أنك تصدقينا
غلبتك بالبكاء لأن ليلي    أواصله وأنك تهجعينا 
وأني إن بكيت بكيت حقًا   أنك في بكائك تكذبينا
فلست وأن بكيت أشد شوقاً   ولكني أسر وتعلنينا
فنوحي يا حمامة بطن وج   فقد هيجت مشتاقًا حزينًا!

 

ذلكم هو الطائف في نظر الشاعر المفتون بجمال الطبيعة المأخوذ بمحاسنها.

وأما الباحث، فإذا عرف الطائف وأنعم فيه نظره، رأى غير ما يراه الشاعر من شأنه وموقعه ومكانته.

للباحث في الطائف كلمات ثلاث: الأولى في موقعه العسكري والسياسي، والثانية في مكانته الاقتصادية، والثالثة في شأنه التاريخي، ولا أرى بأسًا في الإشارة بإيجاز إلى هذه الأمور الثلاثة:

(1) موقعه العسكري والسياسي: غير خاف أن حكومة الحجاز الحاضرة والحكومات التي خلت من قبلها، لم تختر الطائف ليكون مقر جيشها النظامي؛ إلا بعد أن عرفت عظم شأنه، بوقوعه الفاصل المدني بين سهول العراق من شرقه، وديار الحجاز من غربه، وأصقاع اليمن من جنوبه؛ فهو وما يليه من أراض واسعة، وأودية، وجبال، وسهول، يُعد أمنع ثغور الحجاز البرية، وأشدها حاجة إلى ما فيه من قوة، وهو مجتمع القبائل ومحتشد العشائر. قال الفاكهي في تاريخ مكة: «كان لمدينة الطائف خطر عند الخلفاء في ما مضى، وكان الخليفة يوليها رجلًا من عنده ولا يجعل ولايتها لصاحب مكة». وروى غيره من أصحاب التواريخ، أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان قد اتخذ الطائف معسكرًا لجيشه في محاربته لعبد الله بن الزبير، يرسل منه الجند إلى مكة فصيلة أثر فصيلة.

ولأمراء مكة وأشرافها عناية خاصة به، فهو مصيفهم ومتنزههم، يمكثون فيه شهرين أو ثلاثة أشهر من كل عام، يبتعدون عن قيظ مكة، وينظرون في شأنه عن كثب. …وفي أخبار جاهلية العرب أن الطائف لما عمرت ونمت كرومها، وكثرت خيراتها، حسدت القبائل سكانها بني ثقيف، فشنت عليهم الغارات، وأقبل نحوهم الغزاة حتى اضطروا إلى إحاطة مدينتهم بسور يمنع العادي ويصد المقتحم، فأقاموه واتقوا ما كانوا يحذرون، وضعفت عن قتالهم العزائم، فتركتهم قبائل العرب وشأنهم؛ حتى قيل أنهم بمناعة بلدهم ووفرة خيره أغبط الناس عيشًا، وضُربت الأمثال بامتناع الطائف على من اقتحمه – قال أبو طالب ابن عبد المطلب:

 منعنا أرضنا من كل حتى      كما امتنعت بطائفها ثقيف! 
  أتاهم معشر كي يسلبوهم    فحالت دون ذلكم السيوف!


(2) مكانته الاقتصادية:
الطائف أحد أبواب الحجاز التجارية الكبيرة، وأرضه أغنى أراضي الحجاز بعد وادي فاطمة، يحمل ما يزيد عن أهله من حاصلاته وفاكهته إلى مكة وغيرها، ويكثر فيه السمن والصوف لكثرة القبائل الضاربة في قراه، والمخيمة في أطرافه، وكلها تعيش من أوبار إبلها وحليب نوفها، وللماشية والأذواد في هذه البلاد قيمة كبيرة؛ لأن ما تنتجه قد يَعْدل ما تأتي به المزارع الخصبة والبقاع المنبتة، ومتى كثر العاملون في تربية المواشي؛ استفادت البلاد من خيراتها، فكيف بالطائف وأكثر قبائله لا عمل لها إلا إصلاح شأن ماشيتها، واستدرار أخلافها، والانتفاع من أثمان صوفها ووبرها.والعادة أن المدن القريبة من منازل البداة يعود عليها من التجارة منهم ما لا تفوز به المدن البعيدة عنهم، فالطائف من هذه الوجهة أكثر استفادة من غيره؛ لأن القاطنين حوله وفي قراه من أبناء البادية وأرباب الماشية، وأصحاب المزارع، أكثر ممن حول سواه من مدن الحجاز وأوفر ثروة وأنعم عيشًا.

وللمؤرخين إعجاب شديد بكروم الطائف وزروعها؛ وناهيك بمثل سليمان بن عبد الملك الأموي، يدهش من كرم في قرية من قرى الطائف. نقل صاحب معجم البلدان في كلامه على الوهط (إحدى قرى الطائف يأتي ذكرها) أن سليمان مر بها بعد حجه فأطال النظر إليها وسأل: لمن هذا الكرم فقيل: لعمرو بن العاص فقال: هذا أكرم مال وأحسنه، ما رأيت لأحد مثله!!

وفي كتب السيرة النبوية، أن المسلمين لما بلغوا أطراف الطائف مع النبي  ورأوا واديه «وجًا» أعجبهم سدره فلهجوا به وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا! ثم قالوا: يا رسول الله أفي الجنة سدر كسدر وج؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾[الواقعة:26-27]، أي لا شوك فيه!

ويدل ما ينقله المؤرخون أيضًا على أن أهل الطائف كانوا في جاهليتهم أهل قصف ولهو غنى ويسار، حتى أن النبي  لما صالحهم اشترط عليهم أن يسلموا ويقرهم على ما في أيديهم من أموالهم وركازهم، وأن لا يرابوا، وأن لا يشربوا الخمر.

(3) شأنه التاريخي: وأما شأنه التاريخي، فإنه من أقدم البلاد العامرة في الحجاز؛ حتى أنك لترى المؤرخين وعلماء تخطيط البلدان يخبطون في تاريخه على غير هدى، فياقوت يقول: إن الطائف كان يسمى «وجا»، باسم وج بن عبد الحي من العماليق، ويذكر أن وجا هذا هو أخو أجأ الذي سمي به جبل طئ وهما من الأمم الخالية، وابن عباس ينقل عنه، أن الطائف بُني في زمن إبراهيم عليه السلام عصر بنيت الكعبة، وابن الكلبي يروي أن الطائفة هي بلد الثمرات، التي رزقها الله إبراهيم نبيه حين دعاه:

«فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات» وأكثر المفسرين على أن الطائف هو أحدى القربتين الواردتين في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[الزخرف:31] يرون أن القريتين هما مكة والطائف، إلى آخر ما هنالك من أخبار وأقوال.. وسواء صح ذلك كله أم اتفق حدوث بعضه؛ فإن للطائف شأنًا في تاريخ الحجاز غير يسير، ولئن كان أكثر أصحاب الرحلات والخطط لم يسهبوا كل الأسباب في الكلام عليه؛ فذلك لأن هؤلاء إنما كانوا يكتفون من الحجاز بأداء فريضة الحج في مكة المكرمة، وأطرافها القريبة منها، ويزورون قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فيرون في مكة والمدينة وما بينهما الغنى عن قطع المراحل، وزيارة الطائف وما إليه من جهاته الأربع؛ خذ مثلًا صاحب معجم البلدان، وابن بطوطه، وابن جبير، وصاحب نفح الطيب، وغيرهم من أكثر الرحالين وجوابي الآفاق والمؤلفين في هذه الأبحاث، فأنهم لم يزوروا الطائف ولا عرفوه؛ إلا بما يسمعون عنه من الأقدمين أو ممن عاصرهم؛ معرفة رواية لا شهادة، وخبر لا اختبار.

أما مؤرخو الطائف المتأخرون كالفاكهي، والعجيمي وأمثالهما، فإنهم لم يجدوا بين أيديهم من المادة التاريخية ما يزيدون به على ما يتلونه في تواريخ سابقيهم؛ إلا شذرات ونتفًا من أسماء بعض قرى الطائف وآبارها.

هذه علة الغفلة من المؤرخين، عن التعرض للطائف بالإطالة المعهودة فيهم، عند الكلام على أمثاله من البلاد التاريخية القديمة.

ولقد عانيت ما عاناه متأخرو الكاتبين عن الطائف، بعد أن أندرس جل ما فيه من آثار ومعالم، فظفرت باليسير من الكثير، وبالنزر من الوفر، ولعل من سيكتب عنه بعدي يزيد عليّ مالم أعثر عليه، فإن البحث في الطائف مازال قاصرًا عن التعريف بحقيقته، وليكشفن العلم للناس في الغد، ما هم غافلون عنه اليوم…”

 1 – هاري سنت جون فيلبي Harry St. John Philby الذي زار الطائف مرارًا، وخلال زيارته لها عام 1349هـ/ 1930م، كتب عنها الآتي:

“إن زوار الطائف، القادمين من سهول تهامة، ذات الحرارة والرطوبة الشديدتين، ومن سفوح الجبال الحارة المحيطة بمكة، يعشقون القيام برحلات قصيرة إلى الأودية الجميلة، والوهاد المتخفية وراء الثنايا التي تكوِّنها القمم والأطراف الشرقية للسلسة الرئيسية من الحجاز. إن ليّه، المشهورة برمانها، منتجع مفضل لأولئك المتنزهين؛ بينما يفضل آخرون وادي محرم والهدا؛ لسهولة الوصول إليهما من طريق مكة. والوَهَط والوهيط، يزورهما عادة الراغب في قضاء عطلة آخر الأسبوع بهما، أو من بإمكانه الابتعاد ليوم واحد فقط عن المدينة. ولكن ليس من كل الأماكن المتاحة لمتعة الزوار، الذين يأتون للطائف في فصل الصيف من كل سنة. ما يثنى عليه بشدة مثلما يثنى على المنطقة التي تسمى الشفا، التي لا نظير لتينها الشوكي في الجزيرة العربية كلها – وربما العالم كله، والتي لوديانها جو أكثر لطافة ومتعة من جو الطائف، التي يعتقد بأنها جافة جفافًا شديدًا لا يناسب كل الأبدان. وفي الأودية العليّة تلطيف لجفاف الطقس بالندى والرطوبة، الآتيتين من المياه السطحية وشبه السطحية في الوهاد الرملية، التي تحبس مياه الأمطار الموسمية وغيرها…

وعلى بعد ميل باتجاه الشرق، تظهر الطائف ومئذنة مسجد ابن عباس، وقصر شبرا الرخامي في رقعة من الأرض الخضراء. وشمخ غمير بين السلاسل المحيطة به، وتل القيم، الذي إن نظر إليه المرء من قرب أو بعد، بدا وبصورة تلفت النظر، كأنه قبة كولونيا. وفي الوادي، وراء السلسلة الأولى إلى شمالنا الغربي، تقع قرى الفرع المتناثرة، أهم قرى الشفا؛ بينما وراءها، في الاتجاه نفسه، وخلف سلسلة أخرى برزت قمة دكة، سوداء ببريق من الخضرة على صفحتيها، وسلسلة برد الساحقة إلى اليمين، وأبعد منها. وإلى الجنوب، بيننا وبين آخر سلسلة ذكرناها، التي يسمون سكانها بني يوس، ولا يعرفون اسمها؛ لأنها تقع على مد البصر في أرض تهامة، تقع مجموعة من ست أو سبع سلاسل معترضة، أقل ارتفاعًا ولكنها مماثلة، تبدأ كل واحدة منها من ارتفاع غير عالٍ من مستوى الهضبة، وترتفع إلى قمة نحو الغرب قبل أن تختفي في أعماق تهامة…”

 
المصادر:

أرسلان، شكيب، الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، تحقيق: حسن السماحي سويدان، دمشق، دار النوادر، 1428هـ/2008م

آل كمال، سليمان بن صالح، تحصينات الطائف العسكرية خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، مجلة الدارة، س29، ع3، رجب 1424هـ.

بوركهارت، جون لويس، رحلات إلى شبه الجزيرة العربية، بيروت، دار الانتشار العربي، 2005م.

الزركلي، خير الدين، ما رأيت وما سمعت، مصر، المطبعة العربية، 1342هـ/1923م.

Philby, H. St. J. a Pilgrim in Arabia,  R. Hale Ltd, 1946.