بدو وسط الجزيرة (عادات، وتقاليد، وحكايات، وأغاني)

كتاب بدو وسط الجزيرة (عادات، وتقاليد، وحكايات، وأغاني)

المؤلف: جوهن جاكوب هيس.
مراجعة وتعليق وتقديم: محمد سلطان العتيبي.
ترجمة: محمد كبيبو.
الناشر: دار الوراق للنشر المحدودة.
سنة النشر: 2010م.

أعتمد جوهن جاكوب هيس، وهو أستاذ ألماني يعمل في إحدى الجامعات الألمانية، في كتابه على أحد أبناء قبيلة عتيبة، وهو موهق بن عجاج (ت 1370هــ/1950م)، والذي كان يتنقل بين موطن قبيلته في نجد بين بلاد الشام ومصر مع العقيلات.

ويقول لـ هيس:قام العتيبي موهق – المصدر الرئيس لأبحاثي عن لغة – وعادات وتقاليد البدو الموجودين في المناطق الداخلية من شبه الجزيرة العربية – برواية المقاطع الواردة في الصفحات من (19) إلى صفحة (68)، والتي أقدمها هنا مترجمة بمنتهى الدقة. ويعود الفضل إلى معلوماته الموثوقة إلى أبعد الحدود.

ويفرد هيس صفحات لحياة العتيبي، التي هي صورة من صور حياة البدو في وسط الجزيرة العربية.

قسّم الكتاب إلى جزئين: حوى الجزء الأول ما يأتي:

  • حكايات وقصص الحيوانات.
  • حكاية جبل طميّه.
  • الأرواح الطيبة في مقار.
  • حكاية النجوم.
  • ليلة القدر.
  • السعلية.
  • المجنون.
  • الذئب وصغار الماشية.
  • الغراب.
  • الفراشة ” صقر عليّه الصغير “.
  • الثعلب والأسد.
  • الثعلب والغراب.

أما الجزء الثاني فحوى الآتي:

  • عن البدو.
  • الترحال، المخيم، مواقع المياه، التوجه.
  • الحيوانات.
  • الإبل.
  • الغنم والماعز.
  • عن الحيوانات البرية.
  • القبيلة – الشيخ.
  • الثأر.
  • علاقة الحماية: الدخالة (الدخل).
  • الغزو، الغارة.
  • الأسلحة.
  • الخيمة.
  • الغذاء، تحضير الطعام، أغراض البيت.
  • بعض المقاييس والموازيين.
  • الدباغة.
  • الملابس.
  • النساء، الزواج.
  • الأولاد.
  • الرقص والالعاب الدورانية.
  • كرم الضيافة.
  • بعض العادات الحقوقية والعبارات المستعملة عند البيع.
  • علاج الأمراض.
  • التصورات والعادات الدينية.
  • صيغ اليمين والقسم.
  • الإيمان بالأرواح والسحر.
  • عادات الموت.
  • اللعنات والدعاء بالأذى.
  • التمنيات الطيبة، وطرق تعبير مختلفة.

والكتاب في مجمله يقدم صورة شبه متكاملة عن حياة البدو، وقد تُرجم بدقة عالية لهذه الحياة، وهو ما يُحسب للمؤلف.

فمن الحكايات الطريفة التي قدمها ” حكاية جبل طميّة “، التي تقول: كانت طميّه موجودة في الأصل في الأرض البركانية كشب في الغرب، وكان مغرمًا بها عسلج. ولكن عندما لمع البرق رأت جبل قِطّن فوقعت في غرامه، وقفزت من مكانها لأنها كان تريد قطن.

في المكان الذي نزعت نفسها منه، نشأت الحفرة الكبيرة في المكان المسمى منتخة. وهكذا ابتعدت عن عسلج وتركته واقعًا في الشرق.

وعندما رأى عسلج هذا رماها برمحه. فسقط الرمح أمامها في السهل الرملي المسمى كراع، والواقع إلى الشرق من عسلج.

ثم مرّت من عند تل الشرار وخلّفت رخامًا ورائها. ثم تجاوزت فرقين، ومن فرقين مرّت قرب جبل الذيب؛ الجبل الذي يوجد فيه الموقع المائي ثرب. كل هذه الجبال لم تمنعها عن متابعة سيرها. ولكنها عندما وصلت إلى جبل عكّاش، غضب غضبًا شديد وقال لها: ” لماذا تعشقين قطن وتتركين جميع الجبال الأخرى وراءك؟ “.

فثار عليها وقطع أوتار جملها. فخرّ جملها ساقطًا على الأرض، وبقيت هي في مكانها قبل الوصول إلى قطن على بعد تسع ساعات تقريبًا منه.

واليوم تقف هي وقطن كل منهما مقابل الآخر – فلا هي تستطيع الوصول إليه، ولا هو يستطيع المجيء إليها.

يتألف جبل قطن من تلال بيضاء وهو من أفضل جبال نجد. أما طميّه فهو جبل يقف وحيدًا في السهل وحجارته بركانية هشّة. ولا يشبه بأي حال جبال نجد.

الجملة الأخيرة من هذه الحكاية تفسِّر منشأها. بما أن جبل طُميّة الواقع على خط العرض 25 و 59 شمالًا يتألف من صخور بركانية رغوية حديثة ( حجر النشف )، بينما تتألف المنطقة المحيطة به من الغرانيت ( الصوان ) والشظايا الكريستالية ( انظر الخرائط الجغرافية لدوتي في كتابه ” رحلات في بلاد العرب “، والخرائط التي أعدّها بلانكنهورن في المعجم الجيولوجي ” دليل الجيولوجيا الإقليمية “، الجزء 5 و 4، اللوحة  2)؛ فإن الحكاية المتمثلة في أسطورة عن الطبيعة، تجلب جبل طميّه من المنطقة البركانية ” حرّة كشب ) الواقعة بعيدًا في الجنوب؛ لكي تفسر طبيعته المختلفة كليًا عن المنطقة المحيطة به.

أن تكون هذه الأمور قد شغلت خيال البدو منذ قديم الزمان، فهذا ما يتضح من قول الجغرافي العربي ياقوت (معجم البلدان، الجزء الثالث، 7,704 وما بعدها، المكتوبة عام 1224م): ” عٌكّاش جبل يقع مقابل طميّة، وهو حسب روايات العرب؛ زوج طُميّة ).

على خريطتي ” حِمى ضَريّة ” وخريطة دوتي، يجد المرء فرقين ( عند دوتي: فريذن )، عكّاش ( عند دوتي: جبل أكاش )، وطميّه ( عند دوتي: جبل توميّي )، وقطن ( عند دوتي؛ جبل كطون )، وفي الجنوب عند دوتي: حرّة كشب.

مواقع الأماكن الأخرى حددها البدو كما يلي: عسلج جبل مستدير في قرا كشب، أي في أعلى جزء في هذه الحرّة. منتخة، ويسمى أيضًا الوعيبة، حفرة بركانية ضخمة يبلغ محيطها مسير ساعتين ونصف. كراع هو امتداد طويل منخفض لجبل أو لحرة، مثل كراع عسلج في غرب حرذة كشب. ثرب هو مورد ماء (عد بيار) على مسافة سبع ساعات (حوالي 33 كم) غربًا، 180 جنوب عكّاش.

كما يذكر عن القبيلة ومشيخة القبيلة ما نصه:

البدو أناس أحرار، ويمكن القول بكامل الحق، أنهم لا يعترفون بسيد آخر غير سيد السماء والأرض.  ولكل قبيلة ولكل فخذ شيخ (بلهجة عتيبة شاخ) أو زعيم، ولكن الشيخ أو الزعيم لا يحكم بوسائل سلطوية معينة، وإنما فقط بنفوذه وشخصيته البارزة. وهو شيخ؛ لأن القبيلة تعتبره الأكفأ، وأفرادها يطيعون تعليماته لأنهم يثقون بحكمته وبعد نظره.

وتقتصر امتيازاته على قيادة القبيلة ضد الأعداء، وقيادة المفاوضات حول الحرب والسلم، واختيار مكان المخيم، والإلتزام بواجب الكرم إلى أبعد الحدود.  وهو لا يعطي الأوامر؛ وإنما يقدم استشارات ونصائح. فإذا ما قرر مثلًا، ترك المخيم والانتقال إلى مكان آخر؛ يفك خيمته ثم يفعل الآخرون الشيئ نفسه، أو قد لا يتبعونه إذا كانوا يعتقدون أن قراره غير صائب.

لا يستطيع الشيخ إعلان الحرب ولا عقد الصلح دون استشارة الرجال المهمين في القبيلة. ويسمى الاجتماع الذي يُعقد عند الشيخ للتشاور ” مشورة “.

من الممكن أن يتولى الشيخ منصبه بالوراثة؛ ولكن المنصب يمكن أكتسابه أيضًا من رجل شجاع وماهر، بثبت كفائته في السلب والنهب، ويقود في بادئ الأمر مجموعة صغيرة، ثم تتسع دائرة انصاره لتنفيذ غزوات ناجحة بفضل شجاعته وكرمه. ويسمي العتيبي منصب الشيخ الموروث ” شيخة جدّية “، ومنصب الشيخ المكتسب ” شيخة نبيتة “.

وعن كرم الضيافة عند البدو يقول المؤلف: ” كرم الضيافة عند البدو مشهور، ولا يُمارس لدى أي شعب على وجه الأرض بهذه الدرجة، التي يمارس بها عند سكان الصحراء هؤلاء. فالكريم يحظى بالاحترام حتى ولو كان لا يملك سوى القليل مما يقدمه؛ بينما يفقد كل احترام الشيخ الذي يهمل كرم الضيافة، ولا يمكن أن يحظى بالسلطة والمكانة المرموقة مهما كان غنيًا أو شجاعًا.  فالبخل هو أسوء شتيمة لدى البدو.

ولا يقتصر كرم الضيافة على الجيران وأبناء القبيلة، الذين تقدم لهم القهوة دومًا دون توقف؛ بل يشمل أيضًا المسافرين الغرباء – كل شخص، أي شخص يُدعى ويقدم له الطعام والمأوى. ويتعدى كرم الضيافة كثيرًا حدود الضروري.  فصاحب الخيمة يقدم لضيفه أفضل ما عنده، ويحدث أحيانًا أن يذبح رجل فقير آخر شاة لديه لكي يطعم ضيفه؛ دون أن يجعل الضيف يشعر بحجم التضحية التي قدمها.

ويحرص الرجال والنساء على إكرام الضيف واحترامه، والبدوي الجائع يتقاسم وجبته الفقيرة مع غريب جائع أكثر منه. في أحيان كثيرة يفقر الناس؛ بسبب مبالغتهم في كرم الضيافة.

وهناك طريقة في التعبير تقول: ” الضيفان أكلونا ” (أي إن الضيوف أفقرونا؛ بسبب ما أكلوه).

ضيف، الجمع ضيفان؛ يسمى عند العتيبي غالبًا ” خاطر “، الجمع خطّار.

ضيفة: الطعام الذي يقدمه المرء للضيف.

فداوي: الضيف الذي يبقى عند البدو زمنًا أطول.

قهوى، يقهوي: تقديم القهوة.

عندما يأتي غريب إلى خيمة يُحَيِّي بالعبارة المعهودة ” السلام عليكم ” ويرد عليه بعبارة ” عليك السلام “. بعد ذلك يُسأل: ” هل أنت من قومنا أم مسافر؟ “(” أنت أهلي ولا طرقي؟”). فيجيب: ” أنا مسافر حقًا ” (” إلا طرقي “). عندئذ يرحبون به بقولهم ” مرحباً “. أو يسألونه “عم تبحث؟” (“ويش تدوِّر؟”). فيجيب: ” جئت إليكم متعمدًا (أي ليس بالمصادفة) ” (“أنا جئتكم بادي “). فيرحبون به بقولهم: ” مرحبم بك ” أو ” محيّم بك ” أو ” الله يحييك “.

عندما يقدِّم المضيف، ويسمى ” المعزّب”، الطعام للضيوف يقول: ” سموا الله يحييكم “. فيجيب الضيوف: ” إنشا الله تسلم ” أو ” إنشاالله تبقى “. بعدما يأكلون ويشبعون يقولون:           “خلف الله عليك يا معزِّبنا” فيجيب المعزِّب ” ياهلا ” فيقول الضيوف: ” جاك المهلا ياراعي هلا ” ( أي : أنت يامن تقول هلا نرجو الله أن يجعل حياتك تمر بسلام ). وأخيرًا يقول المضيف: ” عسى اللي ذقتوا فيه العافية “.

ياهلا: يا أهل، وتعني تقريبًا: أنت بين أهلك . ” هلا ومسهلا “: لقد وجدت أهلك ومكانًا سهلًا.

عندما يأتي ضيف ويُذبح له خروف، تغطس اليد بالدم وتوضع على رقبة جمل الضيف، وعلى الجهة الخلفية اليسرى؛ بحيث يرتسم الكف والأصابع. ويتم فعل هذا أيضًا تجاه الشخص العائد من الغزو منتصرًا، ويسمى ” منكف “، إذ ترسم اليد بالدم على جمله، وليس على الجمال التي قد يكون غنمها أثناء الغزو.

أما الذي ينتهك كرم الضيافة، بأن يخون مضيفه أو يسرقه؛ فإنه يحرم من الدخول إلى منطقة القبيلة.

ويقال عن الرجل الذي انتهك كرم الضيافة، أي الذي سرق مضيفه بطريقة خيانته :” شق مقراه ” ( أي كسر صحنه ). وإذا ماحدث هذا يذهب المضيف إلى الضيف ويطالبه بإعادة الشيئ المسروق. وإذا ما رفض الضيف ذلك يعود المضيف إلى بيته ويثقب الوعاء الذي أكل منه الضيف، ثم يذهب إلى أقرباء المتهم الذين يجبرونه دائمًا تقريبًا على إعادة ما سرقه. وإذا ما رفض الضيف المذنب مرة أخرى يقول له المضيف: ” تراك مٌجنّا ” (أي، أنت موصوم بالخيانة). ويترتب على ذلك، أن الشخص الموصوم لا يحق له بعد ذلك دخول منطقة القبيلة (قبيلة المضيف)، وإذا ما دخلها يعرّض نفسه للقتل.

وزوّد المؤلف كتابه برسومات وصور، توضح كثير من التفاصيل التي ذكرت في الكتب؛ وذلك لتقريب الصورة للقارئ، الذي هو بعيد عن المنطقة، وكذلك لجيل جديد لم يقف على هذه الحياة، وفي تقديرنا أنه نجح في ذلك إلى حد كبير.