السفن العربية (السنبوك مثالًا)

خَبِرَ سكان السواحل العربية البحر، وبرعوا في علوم الملاحة وفنونها، ومارسوا أنشطة اقتصادية، تعتمد على الصيد، واستخراج اللؤلؤ، والتجارة، وهي المهن التي أكسبتهم الجرأة والقدرة على ركوب البحر وتحمل أخطاره.

اعتمد البحارة العرب على خبرتهم التي توارثوها، وصقلتها الممارسة والتواصل الحضاري مع الأمم الأخرى. ومما يؤكد براعتهم؛ إتقانهم صناعة المراكب، بأنواعها وأحجامها المختلفة، والتي عبروا بواسطتها البحر، في رحلات منتظمة وصلت شرقًا وغربًا.

وبنى العرب سفنهم من خامات محلية؛ مما أكسبها تميزًا عن غيرها، ومن المواد التي تستخدم: سعف النخيل وجذوعها وليفها، ويستخدم أيضًا القار، ودهن الحوت؛ لسد الشقوق بين الألواح، ولحماية السفينة من الحشرات التي تنخر الخشب.

وأكسبتهم تجربتهم في المياه الخطرة، والمسالك الضيقة بين شعاب المرجان؛ إلى صنع الشراع المثلث، فاستطاعوا الالتفاف السريع عند تغير اتجاه الريح فجأة، وتحوبل مجرى السفينة بين الصخور والشعاب، والسير بها بمهارة مذهلة في المجاري الضيقة طبقًا لرأي أحد الباحثين.  وذكر آلان فاليارس Alan Villiers الرحالة والبحار الشهير، أن المركب الذي سافر عليه في رحلته عام 1359هـ/ 1939م من عدن إلى جيزان؛ بُني من مجموعة غريبة من القطع الخشبية، وقال ما نصه: “… وقد أبحرت على هذا القارب الصغير ستمائة ميل، وقد سررت بكل ميل قطعته على ظهره؛ حتى أنني شعرت بالأسف عندما حانت ساعة المغادرة. ورغم بساطته وقلة تجهيزاته؛ فقد كان سفينة بالفعل لا تقل كفاءة عن أية سفينة أخرى، وقد أعجبتني الروح التي كان يتحلى بها بحارته العرب، وهي روح لا مثيل لها في السفن…”.

استخدم الملاحون العرب في رحلاتهم سفنًا ومراكب متعددة الأنواع والأشكال، منها: الكبيرة للرحلات الطويلة، والمتوسطة والصغيرة للرحلات القريبة. كما تنوعت سفنهم حسب الغرض منها: فهناك السفن المعدة للصيد، وللغوص بحثًا عن اللؤلؤ، وللتجارة ونقل البضائع، إضافة إلى السفن المعدة لنقل المسافرين والركاب.

ومن أشهر أنواع السفن العربية: القرقور، والبغلة، والبتيل، والبوم، والغراب، والجلبة، والبرشة، والسنبوك.

ومن بين الأنواع السابقة شاع استخدام السنبوك في الخليج العربي والبحر الأحمر، ويَرِدْ في بعض المصادر باسم: سنبك، وسمبك، وسمبوك، ويرد كذلك بلفظ: صنبوق، وصنبق، وهو سفينة خفيفة الحركة، تساعدها في ذلك مقدمتها ذات الزاوية الحادة، ومؤخرتها شبه المربعة. ويستخدم السنبوك لأغراض متنوعة منها الغوص للبحث عن اللؤلؤ، ونقل المسافرين، ونقل البضائع؛ ومنه أنواع كبيرة خصصت لعبور المحيط الهندي نحو الهند شرقًا، أو زنجبار وشرق أفريقيا غربًا. وعلّق فاليارس على شهرة السنبوك، وشيوع استخدامه في البحر الأحمر، فذكر أن اسم السنبوك قد أصبح يطلق على جميع المراكب الشراعية التي تجوب البحر الأحمر.

وتشير المعلومات إلى قدم استخدام هذا النوع من السفن، فقد ذكر المقريزي: أن السنابيك كانت ضمن المراكب الحربية التي أمر أحمد بن طولون والي مصر (254-270هـ/868-884م) ببنائها في البحر الأحمر، كما ذكره ابن بطوطة (ت 779هـ/1377م) بلفظ “صنبوق”. وأشار إلى أنه ركب على متن واحد منها خلال رحلته من البصرة عبر الخليج العربي. كما كان السنبوك أحد المراكب الشهيرة التي يستخدمها الحجاج خلال رحلتهم في البحر الأحمر، ومع افتتاح قناة السويس للملاحة، ونشاط التجارة في البحر الأحمر نتيجة ذلك؛ أصبح البحر الحمر يعج بالسفن البخارية الحديثة، التي أصبحت الوسيلة الأسرع والأكثر رفاهية، وانحصر دور السنابيك في نقل البضائع والمسافرين بين الموانئ المحلية على البحر الأحمر، كما كانت تستخدم في تفريغ البضائع، ونقل المسافرين بين الميناء والسفن، وتمكن السنبوك بذلك من الصمود حينًا في وجه الاستخدام المتزايد للسفن الحديثة التي تفوقت عليه في النهاية.

المصادر:

إبراهيم خليل العلاف، السفن والمراكب في الخليج العربي، دورية كان التاريخية، ع 4، يونيو 2009م.

حسن صالح شهاب: أضواء على تاريخ اليمن البحري، ط2، بيروت، دار العودة، 1981م.

عماد علو: القوى البحرية والتجارية في الخليج العربي خلال العصور الإسلامية، د. م، دار الجنان للنشر، 2017.

Alan Villiers, Sailing with Sindbad’s Sons, The National Geographic Magazine, vol. XCIV, no. 5, November 1948.