فيما يلي نصًا من رحلة وليام بلجريف، تمت في القرن التاسع عشر الميلادي؛ حيث وصل إلى القصيم، وحائل، والرياض، وقد أثارت رحلته عندما نُشرت اهتمام أوروبا بـ منطقة وسط الجزيرة العربية، والنص هو الآتي:

” ندخل السوق: وأول ما شاهدناه كان عبارة عن صف طويل من دكاكين الجزارة على جانبي الطريق، التي تغص بلحوم الضأن والإبل، ومنظمة بطريقة غير صحية؛ ولولا نقاء الهواء ولولا المناخ الصحي؛ لانتشر الطاعون وتوطن في هذا المكان؛ ولكن شيئًا من هذا لن يحدث في الجزيرة العربية. ونسرع الخطى، ونمر على سلسلة من محلات بيع الأقمشة والبياضات، مكدسة بالمصنوعات المحلية؛ ولكن الجزء الأكبر من هذه المصنوعات مستورد من الخارج، فهذه عباءات بغدادية وعقالات، على سبيل المثال، وهذه شراشف سورية، وتلك أحذية مصرية، هنا. في بريدة، تلتزم الأسواق بالنظام السائد في الشرق، والذي يقضي بأن تكون الدكاكين التي تبيع سلعة واحدة، في مكان واحد، وهذا النظام مزاياه أكثر من عيوبه؛ وبخاصة بالنسبة للمدن الصغيرة التي من قبيل مدينة بريدة، ولكن في المدن الكبيرة، وفي العواصم الأوروبية، فإن الامتداد العمراني يتطلب تنظيمًا مختلفًا، … فالشوارع في مثل هذه الساعة من النهار تغص بالناس؛ ومما يزيد الطين بلة، أن بعيرًا ضخمًا ذو قدم مسحاء يظهر بين الحين والآخر، ثم ينتقل من جانب إلى جانب آخر مثل قارب ضخم، وعلى ظهره دعامة طويلة، تهدد رؤوس أولئك الذين يعترضون طريقه، أو بعير آخر يحمل حملين كبيرين من الحطب، حجم كل منهما مثل حجم البعير نفسه، يخليان الطريق من الرجال والنساء والأطفال؛ في حين يعتلي الجمَّال سنام البعير، غير مبال بهذه الأمور، طالما أن البعير يشق طريقه، وفي أحيان أخرى قد تشاهد رتلًا من هذه الدواب، وقد ربط كل بعير بالآخر السابق له، والأرتال التي من هذا القبيل تسبب الكثير من المضايقات عند المنعطفات الضيقة.

ونشق طريقنا خلال هذه العقبات، لنصل الآن إلى دكاكين الجلد والغرازين، ثم إلى دكاكين النحاسين والحدادين، الذي توقظ طرقاتهم الموحدة، الموتى أو تقتل الأحياء، إلى أن تصل في النهاية إلى الساحة الرئيسية في المدينة، وهي ساحة جيدة أيضًا، ومنتظمة إلى حد ما؛ إذا ما أخذنا بعين اعتبارنا أنها موجودة في القصيم. والمسجد الكبير يشغل نصف ضلع من أضلاع هذه الساحة، ويبلغ عمر هذا المسجد حوالي مائتي عام؛ وذلك بالنظر إلى طرازه وشكله العام. ولا يوجد في أي جزء من أجزاء هذا المسجد نقش أو تاريخ من أي نوع، ومن واقع خبرتي؛ فإن مسالة خلو المساجد من النقوش أو التواريخ، وهي قاعدة عامة تحكم إنشاءات وسط الجزيرة العربية وشرقها، إذا لا يوجد نقوش كوفية، أو حميرية، أو كتابات عربية على الأسكفة أو العمود، وقد أحزنني هذا العيب الإنشائي، ولا اعرف سببا لغياب هذه النقوش التذكارية؛ وبخاصة إذا قارناها بالنقوش الوفيرة في كل من حوران، والصفا، وبالميرا، وبابل. الواقع أن الكتابة الملونة موجودة على الجدران وفوق البوابات؛ غير أن أعمار هذه النقوش لا يتجاوز بضع سنوات، ولم تكن ندرة النقش على الحجر راجعة إلى نقص في المهارة؛ نظرًا لان النقوش المعمارية متوفرة في نجد، رغم إنها بدائية، في حين نجد هذه النقوش، هي والفنون الزينية الأخرى في كل أنحاء عمان.

ومئذنة ذلك المسجد سامقة جدًا؛ دليل من بين أدلة أخرى كثيرة، على أن تاريخها يرجع إلى فترة سابقة؛ حيث يكتفي الناس الآن ببريج صغير يزيد ارتفاعها قليلًا على ارتفاع سطح المسجد، ويوجد في ذلك البريج شق في أحد أجنابه؛ يقف شاهدًا على حدوث زلزال، يقال إنه وقع في تلك المنطقة منذ ثلاثين عامًا مضت. والعقود والسراديب غير معروفة في بريدة؛ ولذلك نجد الدعامات التي تحمل سقف المسجد قريبة من بعضها وكثيرة العدد، وهذه الدعامات مصنوعة من الحجر.

والجانب الآخر من الساحة عبارة عن بهو معمد، يذكرنا بالأبهاء التي من هذا القبيل في بولونيا، وهاهي مجموعة من المواطنين تجلس في ظل هذا البهو، يتبادلون الأخبار ويناقشون في أخبار المال والأعمال، ووسط الساحة ملئ بالإبل وبالات البضائع مختلفة الأنواع، يشكل من بينها البن اليمني، والحناء والزعفران، الجزء الأكبر.

وتتفرع من هذه الساحة عدة شوارع، كل منها له سوق مستقلة تبيع هذا الصنف من البضاعة أو ذاك، وينتهي كل شارع من هذه الشوارع ببوابة تفصله عن المنازل، وسوق الخضار والفاكهة كبيرة، ولا يعمل فيها سوى النساء على وجه التقريب؛ وهذا ينطبق أيضًا على سوق البقالة والتوابل. والجنس اللطيف في بريدة، لا يقل مهارة في التجارة والاتجار عن الجنس الخشن.

وملح الصخور عالي الجودة، شديد البياض، الذي يُجلب من غرب القصيم، ويُعد من السلع الشائعة في بريدة، وأنا أرى كتلًا كبيرة منه ببلوراتها الجميلة، موضوعة على شكل أكوام أمام الدكاكين، وفي بعض الأحيان تشاهد فارسيًا واقفًا أمام احد هذه الدكاكين، يجرب حظه ومهارته في الابتياع أو المقايضة؛  ويكثر هنا أهل الحضر، الذين يرتدون الثياب الجيدة، ويبدو عليهم التجهم، ويمسك كل واحد منهم، عصا صفراء مصنوعة من خشب السدر أو اللوتس، إضافة إلى أن غترهم تهفهف على رؤوسهم؛ ولكن بدون العقال المصنوع من وبر الأبل الأبيض أو الأسود، الذي يتميز به أهل الشمال، هذا العقال يبدأ في التلاشي كلما اقتربنا من وسط الجزيرة العربية؛ بل أنه يختفي في شرقي الجزيرة العربية تمامًا.

والمدينة كلها يبدو عليها أنها كانت تنعم بازدهار كبير ، ونحن لا ندخل بيتًا إلا إذا دعانا صاحبه، وهنا نجد أن الترتيب الداخلي يختلف إلى حد ما، عن الترتيب الداخلي في جبل شمر، ومنازل القصيم متلاصقة، وهنا تكون الفراغات بين الجدران لها قيمتها، ومن هنا نجد أن الأحواش أصغر والغرف أضيق، والطابق الثاني يشيع هنا في بريدة؛ أما في حائل، فهو يعد من قبيل الاستثناء النادر. ووفرة الحطب في هذه المنطقة تقلل من قيمة فحم الخشب، كما تختلفي هنا أيضًا مواقد الجوف وشمر الصغيرة، لتحل محلها المواقد الكبيرة المحفورة في الأرض، ولها حافة مرتفعة من الحجر، وشبكة من السلك، تشبه تلك الشبكة التي نستعملها في بريطانيا، قبل أن يحتم علينا الفحم الحجري ودخان الفحم الحجري استعمال المداخن، وكل الأشياء الحديثة الخاصة بالمدافئ والمواقد، وهم هنا يكومون خشب الغضا وخشب المرخ فوق شبكة الحديد. والقهوة في بريدة، أكثر من ممتازة؛ والسبب في ذلك أن أجود أنواع بن اليمن يأتي إلى القصيم، ويجري تسويتها على لهب هادئ.

شوارع مدينة بريدة ضيقة، وحاّرة، ومتربة، والنهار فيها طويل؛ ولكن البساتين باردة ووارفة الظلال.

سوق بريدة_1

المصدر:

Palgrave, William Gifford. Narrative of A year`s Journey Through Central and Eastern Arabia. VoL1. London and Cambridge  macmillan and co. 1865.