المُــوَيلح

المويلح، ثغرٌ في شمال غرب المملكة العربية السعودية، يقع على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، في وادٍ يُعرف بوادي سر، على مقربة من جبل شار، واشتهر في الماضي بأنه محطة من محطات الحجاج القادمين من شمال أفريقية والشام. ونال المويلح نصيبًا من العناية التي أولاها المسلمون لطرق الحج، فبُنيت به محطة محصنة لمبيت الحجاج، في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، عُرفت بقلعة المويلح، وهي قلعة كبيرة تحيط بها أربعة أبراج كبيرة، زود كل منها بمدفع، وبها مسجد وبئر في داخلها، ومخازن للمؤن والذخائر تستخدم لخدمة الحجاج وحمايتهم.

دوّن بعض من مروا بالمويلح معلومات عنه، ومن هؤلاء:

1/ اللواء محمد صادق باشا (1238-1320هـ/1822- 1902م)، الذي رافق موكب الحج المصري عدة مرات في مهمات أنيطت به ومنها: مسح طريق الحج، وإعداد الخرائط اللازمة له، وأشار إلى المويلح بقوله:

“المويلح بضم الميم وكسر اللام، … استعد الموكب ودخل بلدة المويلح، ونزل على شاطئ البحر، وهناك قلعة حصينة، بها جامع ومخازن، ومحافظ، و23 عسكريًا يتبعهم أربعون في محطة سلمى وكفافة. والقلعة مبنية حصينة أنشأها السلطان سليم، طولها مائة متر في عرض ثمانين، وفي أركانها الأربعة بروج، قطر الواحد منها عشرة أمتار، وطول حوش القلعة 83 مترًا في عرض 62 مترًا، وبها مدفع من النحاس مستعمل، وسبعة من الحديد غير صالحة للاستعمال، وبها بئر عمقها أحد عشر مترًا، وفي خارج القلعة آبار متعددة، ونخيل بكثرة، ومساكن من عشش، ومخازن لتجارة الفحم، والحطب، والسمن، والعسل، ويُزرع هناك بعض خضارات، وأهلها نحو مائة شخص؛ عدا العربان. والحمى متسلطنة على سكانها دائمًاـ وكذا داء الطحال…”.

2/ جورج أوغست والّين، الذي زار المويلح عام 1301هـ/1884م، وكتب قائلًا:

” الـمُــوَيلح من أهم الأماكن على طريق حجّاج مصر إلى الحجاز، وفيها كما في سواها من المحطات الرئيسية في طريق الحج، قلعة وبعض منازل من حجر، يحرس القلعة جنود، ويسكنون المنازل ضباط الحامية وأتباعهم. أما السكان الآخرون، أي التجار الصغار وعائلات البدو الصغيرة، فيكتفون بأكواخ مؤقتة تُدعى بكاكير (من بكّارة)، مصنوعة من الجريد ومسقوفة بالخوص. ويُقَدَّر عدد أفراد الحماية بأربعين شخصًا. والسكان الآخرين يبلغ عددهم سبعون أو ثمانون عائلة.

والقلاع المنتشرة في هذا الطريق، وفي طريق الحج السوري، متشابهة البناء وإن اختلف الحجم، شادها في الأرجح السلاطين العثمانيون؛ لحماية الحجيج ولتموينهم، ولحراسة الآبار الموجودة في أكثر تلك القلاع. وتذود الحامية أيضًا عن المقيمين خارج الأسوار.

والبدو الذين يقصدون المويلح لإقامة مؤقتة، قد تطول وقد تقصر، يسكنون الأكواخ أو البكاكير التي ذكرتها، أو أنهم يعيشون في خيام يجلبونها معهم. وهم فقراء من بطون أكرهتها ظروف السوء على مغادرة الصحراء بعض الزمان على أمل العودة، فصار بعضهم يتعلق بحياة المدينة ويقيم فيها أبدًا. ومن تتوافر لديه الإمكانات، يعمل في التجارة مع عرب المناطق القريبة على ساحل البحر الأحمر، مزاحمًا سكان القلعة والتجار العابرين.

إذن، للمويلح أهمية بالغة بالنسبة لبدو الجوار؛ لأنها أقرب بلدة إليهم. وهي في أكثر الأوقات المحطة الوحيدة التي يحصلون فيها على مؤن، بالمقايضة بماشيتهم وبحليبها. وإذا لم تتوافر الماشية والحليب تعاملوا ” على الحساب “.

وليس في المويلح مرسى للسفن سوى فُرضة خطرة، خلف الصخور المرجانية البعيدة عن الشاطئ بعض الشيء، وقلما تزورها مراكب أكبر حجمًا. والمؤن هنا أغلى كثيرًا منها في الوجه. أضف إلى ذلك رأي البدو بتفوق الحبوب السورية، صلابة ونوعًا؛ ولهذا يفضلون أن يتمونوا من غزّة؛ ولا سيما إذا لم تمنعهم من الذهاب إليها حرب في الصحراء، أو صعوبة في اكتشاف المراعي.

إن الكثيرين من سكان المويلح، يملكون بساتين وجنائن نخل تفوق بمساحتها وبالعناية التي تلقاها، على البساتين والجنائن الأخرى على الطريق إلى مكة.

أما المياه هنا فليست جيدة دائمًا؛ إلا أنها غزيرة تأتي من الآبار الضحلة الكثيرة في البلدة وضواحيها، كما أن في الساحل وعلى طوله ينابيع سطحية، لا تبعد أحيانًا عن أعلى نيم للموج، مياهها فاترة تضرب إلى الملوحة. ويتساقط المطر في المويلح، وإلى حد ما في الجزء الشمالي الغربي من بلاد العرب، في أوقات متقطعة بين شهري تشرين الأول(أكتوبر) ونيسان (أبريل)، ويحر الطقس ويجف في الأشهر الأخرى.

ولما كان في عرف العرب، أن كل قرية أو بلدة في أرضهم تملكها قبلية معينة، فبنو عُقبة، الذين من عاداتهم النزول في هذه الضواحي، يعدّون المويلح ملكًا لهم؛ ولذا يطلق عليهم لقب غفراء المكان. ويقولون إن لهم حقًا ممتازًا تجاه القبائل الأخرى في مرافقة الحجيج لحمايتهم بين البَدْع- على بضع ساعات إلى الجنوب من العقبة – وبين ضبا المعروفة أيضًا باسم بئر السلطان، وهاتان المحلتان تحدّان ديار بني عُقبة.

إن العرب هنا- وهم السكان الشرعيون- لا يشتركون في إدارة شؤونهم المحلية، أما البلدان التي في الطريق السوري، فحقوق سكانها محفوظة كما هي في أكثر الأنحاء العربية، حيث يعمل بالقوانين الفطرية، والعرف البدوي، والتقاليد الصحراوية. وقد أنشئ هنا جهاز قضاء إسلامي.

ويخيل إليّ، أن المويلح بلدة حديثة، يعود الفضل بوجودها إلى أنها على طريق الحج المصري، ولم أجد لها ذكرًا في المخطوطات العربية، التي أتيح لي الرجوع إليها، ولا دلائل أو تقاليد عند السكان تشير إلى قدمها.

إن أراضي هذا الجزء من بلاد العرب تعرف بالساحل، وهي المترامية بين البحر وسلسلة جبال غرانيتية موازية للشاطئ، وتبعد عنه ثماني ساعات (24 ميلًا) ويتخلل المنطقة- باستثناء رقعة الشاطئ- أودية تنحدر من السلسلة الرئيسية في اتجاه جنوبي غربي، أكبرها وادي السرحان، الممتد من جبل شار في السلسلة الرئيسية حتى المويلح، وفيه بئر عظيم يستقى منه السكان. وهناك وادٍ آخر يقع على مسيرة ست ساعات (18 ميلًا) إلى الشمال من المويلح، اسمه وادي تريم فيه الآبار المسماة “العيون”، وفيه يقضي الحجاج ليلتهم الأولى بعد مغادرتهم المويلح إلى مصر. وإلى الجنوب بين ضبا وإسطبل عنتر، يقع وادي داما، وفي ناحية الوجه يقع وادي الفرا ووادي أَزْلم.

وجميع هذه الأودية- بما فيها الصغيرة القريبة من سفح سلسلة الجبال- منبسطات من رمال ناعمة متموجة غير جلية التحديد؛ إذ لا تفصل التلال بينها فصلًا واضحًا. ويطلق اسم جبال الشقا، أو جبال تهامة، على جزء من السلسلة التي وصفتها بأنها الحد الشرقي للساحل. وهذا الجزء يمتد من موضع يقابل “الوجه” وينتهي في وادي اللّثم. ووادي اللثم منفرج في سلسلة الجبال، على ثماني ساعات (24 ميلًا) إلى الشمال من العقبة. وتكملة هذه السلسلة جبال الشراة. وأعلى القمم القريبة من المويلح جبل شار وقد مر ذكره. وإلى الشمال منه أم جُديَلة، وجِم، وصدر، وحرب.

إن أرض الساحل مجدبة في الأكثر، والمراعي فيها غير كافية؛ إلا أنها تنبت السمر، والطلح بكثرة. أولهما ينتج صمغًا دون صمغ الحجاز نوعًا، والآخر يعطي خشبًا كثيرًا يستخدم للوقود ويصنع منه الفحم. والبدو يبيعون الصمغ والحطب في المويلح والسويس، وأحيانًا في القاهرة.

وغير بني عقبة المقيمين في الضواحي الملتصقة بالمويلح، يقطن تلك الديار بكاملها، تقريبًا الحويطات، إحدى أكبر القبائل اليوم، وهم منتشرون من بطر (وادي موسى) إلى الوجه.

وبطون الحويطات الرئيسية المقيمة هنا هي الطُقيقات، والعُميرات، والعُمران. ومن القوم من بعد الطقيقات أشرف هذه البطون وإنها قبيلة مستقلة. وهي تسرح في وادي ….. وضواحيه حتى العقبة في الشمال. ومن الحويطات أيضًا، العُبيّات، والجِرافين، والسلميين، والمسالمة، والعُرينات، والصغيين، والشرمان، تتردد على مناطق جنوبي المويلح باتجاه إسطبل عنتر. ومنها أيضًا: المشاهير، والقرعان وهما يقيمان في وادي أزلم عند سفح جبل سُويّد وفي ……. الوجه. والحويطات تقول إن جدها كان يدعى ريشة.

وهناك قبيلة صغيرة تدعى المساعيد، من عادتها النزول قرب مقنا. ومقنا هذه مكان قيل لي إنه مجموع أكواخ من الخصوص(بكاكير) على يومين إلى الجنوب من العقبة.

وقريبًا من مقنا، تنبسط جنائن نخل فسيحة، يجاريها جدول ماء، ويملكها بنو عُقبة وسواهم من عرب الجوار، وتعتني بها قبيلة من الفلاحين اسمهم الفَوَيْرة، يشاركون أصحابها في استثمارها، وفي موسم القطاف يجتمع أصحاب الجنائن لجني المحاصيل، ويقوم سوقها يؤمها عربٌ كثرٌ من مناطق بعيدة للمتاجرة والمقايضة”.

 

 

 

المصادر:

جورج أوغست فالين. رحلات فالين إلى جزيرة العرب. ط2، لندن: شركة دار الوراق للنشر المحدودة. 1430هــ/2009م.

حمود بن ضاوي القثامي. شمال الحجاز. ط3، بيروت: العصر الحديث للنشر والتوزيع. 1413هـ.

محمد صادق باشا. الرحلات الحجازية. تحرير. محمد همام فكري. بيروت: بدر للنشر. 1999م.