الرياض في وصف بلجريف

في عام 1279هــ/1862م، وصل الإنجليزي وليام جيفورد بلجريف William Gifford Palgrave إلى الرياض، وكان أول من قدّم وصفًا شاملًا ووافيًا لما كانت عليه الرياض زمن الإمام فيصل بن تركي ( الفترة الأولى 1250هــ-1254هـ/1834م-1838م، الفترة الثانية 1259هــ-1282هــ/1843م-1865م )، كما قدّم بلجريف مع الوصف مخططًا للرياض. يقول بلجريف في وصف الرياض: ” نصل إلى السوق، وهو مليء بالنسوة والفلاحين، يبيعون ذلك الذي نود شراؤه فعلًا، علاوة على اللحم، والحطب، والحليب، الخ … الخ، ومن حولنا الزبائن، الذين جاءوا لأغراض مثل التي جئنا من أجلها إلى هنا، ونختار سلة مغرية من الرطب، ونبدأ مساومة السعر مع هذه المرأة، التي جلست إلى جوار أشيائها الريفية، ونكتشف أن السعر مرتفع جدًا، وترد علينا هذه المرأة قائلة: ” بحق من يرعى فيصل( تقصد الإمام فيصل بن تركي ) ويحميه، أنا الخاسرة إن بعت بهذا الثمن “. ونصر على موقفنا، وترد علينا هذه المرأة قائلة: ” بحق من سيحيي فيصل حياة طويلة، أنا لا يمكن أن أبيع بهذا الثمن “. ولم يكن أمامنا ما نفعله في مواجهة هذه التوكيدات؛ وبالتالي كنا نوافق وندفع الثمن، أو نمضي لحال سبيلنا طبقًا للظروف.

لقد فتح عدد كبير من الدكاكين أبوابها، وبدأت تغص بالزبائن، وبخاصة دكاكين البقالة، والأدوات المنزلية، ودكاكين الغرّازين، والحدادين؛ وسبب ازدحام الدكاكين هنا، هو أن عاصمة هذه الإمبراطورية المركزية تكون دوما مليئة بالغرباء، الذين يحضرون إلى السوق لقضاء كثير من مصالحهم؛ ولكن يوجد حول دكاكين اللحامين أكبر تجمع من البشر، والنجديون يأكلون مقادير كبيرة من اللحم، ولا عجب، أن نجد اللحم رخيصًا هنا ( فالطلي الطيب هنا يصل سعره إلى خمسة شلنات إنجليزية أو أقل )، والطلب عليه شديد، وأنا أتمنى أن يسفر فرض القواعد الشرطية عن اهتمام اكثر بتنظيف المنطقة المحيطة بهذه المجازر، واللحامون هنا يتركون البقايا والفضلات على الأرض، على مسافات متقاربة لا تزيد عن ياردتين؛ ولكن الكلاب والجو الجاف يخفضان من هذا الأذى وهذا الإزعاج، وقد سبق لي أن أبديت هذه الملاحظة في كل من حائل وبريدة، ويبدو أنها تَصْدُق على وسط الجزيرة العربية كلها.

ولكن قبل أن نواصل مسيرنا، هيا بنا نُنْعِم النظر قليلًا في تلك الشخصيات، التي تتجمع في المكان الذي تشرف عليه أسوار القلعة العالية، والذي يحده بهو الأعمدة الكبير في أحد الممرات في قصر الإمام فيصل، بالإضافة إلى الدكاكين والمنازل التي تكمل ذلك المربع غير المنتظم، يوجد ضمن هذا الجمع من الناس، مجموعة من أهل المدن حسني المظهر، ومظهر هؤلاء لا يختلف كثيرًا عن مظهر أهل شمر أو القصيم؛ باستثناء بساطة الملبس، وقامة قصيرة إلى حد ما، وبشرة تميل إلى السمرة. ويوجد في الرياض كثير من الغرباء أيضًا، وقلة قليلة من الأجانب من أمثالنا، هذا الشكل النحيف داكن البشرة، الذي يرتدي صدرية مصبوغة باللون الأصفر والأقصر قليلاً من القميص النجدي، ويعلق حول وسطه خنجرًا معقوفًا، ويحمل في يده عصا صفراء قصيرة، هو من مواطني حدود عمان الخارجية، وهذا شخص أخر يلبس ثوبًا خارجيًا ملونًا في بعض أجزائه، ويلبس عمامة زرقاء كبيرة لها حافة حمراء وصفراء، والذي له ملامح مختلفة تمامًا عن ملامح سكان وسط الجزيرة العربية، وملامحه تقترب من ملامح الفُرْس أو الهنود، إنه واحد من أهل البحرين؛ جاء إلى هنا بغرض التجارة، هذا البحريني، مثل شقيقه العماني، الذي يبدو أنه على وفاق معه، ليس له من هم سوى أن يحوِّل الصفقة الخاسرة إلى صفقة ناجحة، ثم يعود إلى بلده بأسرع مما جاء، هؤلاء هم خدم النائب صديقنا، تبدو عليهم الملامح والسمات البغدادية، وهذان هم المَكِّيان، يمكن تمييزهما بسهولة من بين هذا الجمع من الناس.

وتنقسم الرياض إلى أربعة أحياء رئيسية: الحي الشمالي الشرقي، الذي توجد فيه قصور الأسرة المالكة، ومنازل موظفي الدولة، ومنازل الملاك الأغنياء، ورجال الحكومة. والمنازل في هذا الحي مرتفعة بشكل عام، والشوارع مستقيمة، وليست ضيقة بشكل ملحوظ؛ ولكن مستوى الأرض في هذا الحي منخفض، وربما يكون هذا الحي الشمالي الغربي، وهو الحي الذي نسكن فيه، وهو عبارة عن كتلة كبيرة من المساكن غير المنتظمة، متباينة الأحجام وتتدرج من الأحسن إلى الأسوأ، ويسكن في هذا الحي؛ الأغراب والشخصيات المماثلة لهم، وهذه النوعية من البشر لا تفتقر إليها أية مدينة من المدن الكبيرة؛ بغض النظر عن القواعد والتنظيمات. ويعيش في هذا الحي رؤساء القرى، كما يعيش هنا أيضًا البدو، وبعض من سكان المناطق المحيطة بالعاصمة.

ولكن يسعدنا أن نحوِّل أنظارنا عن هذا المنظر الكئيب إلى الحي الجنوبي الغربي، حيث المساجد هنا تحتفظ ببساطتها البدائية، ومبانيها الفسيحة والمصلات، وآبار الوضوء، وفتحات اتجاه القبلة تزين كل ركن من الأركان، وفي كل منطقة من المنزل أو البستان، شوارع هذا الحي مفتوحة، وهوائها صحي.

وأخيرًا، هناك الحي الجنوبي الشرقي، الذي يطلق عليه اسم ” الخزيق “* وهذا الحي كبير أيضًا، وكثافته السكانية أعلى من الأحياء الأخرى؛ ويسكنه الفلاحون أيضًا، كما يقصده أيضًا أولئك الذين يفدون من المناطق المحيطة بالعاصمة. وهذا الحي بطبيعة الحال؛ هو أسوأ الأحياء من حيث المباني، ومن حيث التنظيم، وأرضه شديدة الانخفاض، وهواؤه غير صحي، وقد قيل لي أن وفيات الكوليرا هنا في العام 1854-1855م (1270-1271هــ) وصلت إلى أعداد مخيفة.

وهذه الأحياء الأربعة ليس بينها فواصل واضحة سوى الشوارع الواسعة، إذ ليست هناك بوابات أو جدران تفصل هذه الأحياء عن بعضها، وعلى كل حال، فإن كل حي من هذه الأحياء يُعد ” دائرة ” مستقلة. ولكل حي من هذه الأحياء اسمه الخاص، ولكني نسيت الأسماء الثلاثة التي يطلقونها على الأحياء الثلاثة الأولى، وفي الحيين الثالث والرابع يندر أن يكون للمنازل حدائق أو بساتين، وفي الحي الأول يوجد قليل من هذه الحدائق والبساتين، ولكنها تكثر في الحي الثالث؛ ولكن القاعدة العامة في نجد، هي أن الحدائق، تكون في أغلب الأحيان خارج سور المدينة، وهذا هو المعمول به في الرياض.

ونقطة الالتقاء، أو إن شئت فقل: مركز التقاء هذه الأحياء الأربعة هو السوق، الذي يجاوره قصر الإمام فيصل من أحد الجهات، والمسجد الكبير، أو الجامع على الجانب الآخر؛ وكلمة الجامع معناها الحرفي ” التجميع أو التوحيد “؛ نظرًا لأن الناس يجتمعون في هذا المكان بأعداد كبيرة لصلاة الجمعة؛ اتباعاً وتنفيذًا لعمل عام، يختصر في الأماكن الأخرى، ومن هنا أيضًا فإن ذلك اليوم يطلق عليه اسم ” الجمعة ” ومعناه ” الاجتماع ” ولا يوجد في أي منطقة من مناطق نجد سوى جامع واحد؛ أما اللفظ ” مسجد ” فيطلق على بقية أماكن الصلاة التي لا تحمل اسم جامع أو مصلى، ولفظ ” مصلى ” يطلق على المسجد الصغير، وجامع الرياض عبارة عن متوازي أضلاع له سقف كبير منبسط، محمول عل حوامل خشبية مربعة الشكل، عليها غلاف سميك من اللبن، ومبنى الجامع منخفض، وخال من بهارج الجمال المعماري، وقد حسبت أنا وبركات المسافات التي بين صفوف الأعمدة، وتوصلنا إلى أن هذه المسافات تتسع لما يزيد على ألفي مصل في آن واحد، وأن عددًا مماثلًا لهذا العدد أيضًا يستطيع أن يجد لنفسه مكانًا في الملحق المكشوف الموجود أمام الجامع. المئذنة (المنارة، كما نسميها نحن) لا وجود لها هنا؛ ولكن يُستعاض عن المئذنة هنا، بحلية صغيرة ترتفع قليلًا فوق سطح المسجد؛ ومن فوق المحراب، أو المكان المخصص للإمام عند الصلاة، يوجد على سطح الجامع فوق هذا المكان، ما يشبه الصندوق أو الشقة الصغيرة، التي يدخل منها الإمام فيصل يوم الجمعة عن طريق الممر المغطى، الذي سبق أن وصفته، وبذلك يصبح إمامًا لا يراه جمهور المصلين من تحته، والجامع ليس فيه حصير أو سجاد.

ونختتم الجولة التي قمنا بها في مدينة الرياض، لقد شاهدنا الجامع الكبير، ويوجد في الرياض حوالي ثلاثين أو أكثر من المساجد الصغيرة، وبعض هذه المساجد كبير وفسيح؛ وبخاصة ذلك المسجد الذي يؤم فيه القاضي عبد اللطيف (حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) المصلين، وكذلك أيضًا المسجد الذي يصلي فيه الأمير عبد الله ولي العهد، والمسجد الذي يصلي فيه الأمير عبد الله يقع في الحي الأول من المدينة، أما المسجد الذي يصلي فيه عبد اللطيف يقع في الحي الثالث، والمسجدان يسترعيان الانتباه بسبب حجمهما وأناقتهما، ولكنهما مثل سائر المساجد الأخرى، غير مزينين.

والأسوار توجد من حول مدينة الرياض كلها، ويصل ارتفاع هذه الأسوار إلى حوالي ثلاثين قدمًا، وهذه الأسوار سميكة وقوية، وبحالة جيدة، وتجري حمايتها بواسطة خندق عميق وتكسيات، ومن خلف هذه الأسوار توجد الحدائق، وهي تشبه حدائق وبساتين القصيم بدرجة كبيرة، من حيث الترتيب والامتداد؛ برغم أن اختلافها من حيث العرض الذي يستعاض عنه بارتفاع مستوى سطح الأرض هنا عنه في القصيم، ولكن في اتجاه الجنوب، صوب اليمامة مباشرة، تستطيع العين المجردة أن تشاهد تغييرًا في الحياة النباتية التي تقترب من الحياة النباتية المدارية.

كنت قد تطرقت إلى كثرة دكاكين اللحامين في السوق، وسلالة الأغنام النجدية معروفة وشهيرة، وتحتل منزلة جيدة، حتى خارج حدود الجزيرة العربية، وهذا امر طبيعي، والسبب في ذلك هو كثرة المراعي وجودتها، إضافة إلى أن المناخ المعتدل يجعل نجد تناسب تمامًا تربية ونشر الأنواع الممتازة، وعلى كل حال، وفي رأي الكثيرين، وأنا واحد منهم، فإن الأغنام النجدية، لا ترقى، من المنطلق الغذائي، إلى مستوى أغنام ديار بكر، والأغنام التي تربى على حدود كردستان، وفي أسواق دمشق، التي قد تصل الأغنام النجدية إليها في بعض الأحيان، تحصل هذه الأغنام على أسعار معقولة؛ ولكنها ليست أعلى الأسعار. وأصواف الأغنام أسعارها معقولة؛ ولكنها ليست أعلى الأسعار، وأصواف الأغنام النجدية من النوع الراقي والجيد، وهي تتساوى مع أصواف الأغنام الكشميرية؛ من حيث النعومة والرقة. وأكفال الأغنام النجدية ليست عريضة، والأغنام العربية كلها، من هذا القبيل، على وجه التقريب، ولو قدر للجزيرة العربية أن تتمتع بظروف تجارية مواتية، وكل ما يصاحب التجارة من أشياء أخرى؛ لأمكن توفير نصف احتياجات الإمبراطورية التركية من الصوف ولحوم الضأن؛ إذ تتساوى على وجه التقريب أراضي المراعي في الجزيرة العربية، مع الأراضي القابلة للزراعة، وأراضي الصحراء غير القابلة للزراعة مجتمعتين، ولكن هناك صعوبة في التصدير من وسط الجزيرة العربية عبر الحدود.

والإبل تكثر في الرياض: إنها ” أرض قفر عامرة بالإبل ” والإبل هنا تشبه الإبل في شمر من حيث المبدأ؛ ولكن لون الإبل في شمر يتردد بين الأحمر والأصفر، أما في الرياض فلون الإبل يتردد بين الأبيض والرمادي، ويندر أن تشاهد اللون الأسود في أي مكان. وقامة البعير النجدي تميل أيضًا إلى النحالة والطول أكثر من بعير الشمال، ووبر البعير هنا أجود من وبر بعير الشمال، والأبل هنا أرخص ثمنًا من الأغنام، ويتردد متوسط ثمن البعير بين خمسة وعشرين وثلاثين شلنًا، وهذا ليس ثمنًا كبيرًا لحيوان قوي مثل البعير.

والثيران هنا صغيرة الأطراف، ولكنها لها سنام مثل سنام الأبقار الهندية، واللون السائد هنا هو اللون القاتم.

وطيور وحيوانات الصيد هنا؛ سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، ريشية أم ذوات أربع، توجد بأعداد كبيرة في كل أنحاء هذه المنطقة، ولكن يندر صيدها. والحبارى، والسمان، والقطا (نوع من أنواع الحبارى)، والحمام، موجودة هنا في كل مكان، وقد سمعت عن القلاّم، وهو نوع من الدجاج البري، ولكني لم أشاهده وهو شبيه جدًا بالحبارى. وأراضي الطويق العالية خالية من النعام. والغزال يوجد هنا بأعداد كبيرة، أكثر من أي مكان               آخر “.

 

المصدر:

1.Palgrave, William Gifford. Narrative of A year`s Journey Through Central and Eastern Arabia. London and Cambridge Macmillan and Co. 1865.

 

* يبدو أن هذا الاسم محرف، ولم يرد ذكره في أي مصدر.